مشاهدة النسخة كاملة : محمود درويش.. وطن في قصيدة


Bilal ShahEEn
08-12-2008, 07:58 PM
"لم يكن محمود درويش يعبث لحظة واحدة بأدوات رسالته لفرط حساسية هذه الأدوات. فأداة الشاعر الفلسطيني واحدة بطبيعته الاستثنائية، هذه الأداة هي الوطن المفقود الذي يصبح في الغياب فردوسا مفقودا"، هكذا صدر الحكم - قدريا - على محمود درويش الشاعر أن يولد فلسطينيا ليصبح لسانا لهذه الأرض التي أُفقدت عن عمد الكثير من ألسنتها.

والمتتبع لحياة محمود درويش يجدها قد مثّلت - بصورة نموذجية - أبعاد قضية شعبه على مدار ستين عاما هي مدتها، وعبر توصيفات صدقت في كل وقت على كل أفراد هذا الشعب.

مع الميلاد: عندما كنت صغيرا.. كانت الوردة داري.. والعصافير إزاري


في عام 1942 وُلد محمود درويش في قرية "البروة" بالقرب من عكا، وهي القرية التي لا يذكر منها الكثير، حيث بترت ذكرياته فجأة وهو في السادسة من عمره. وهي من بين القرى الفلسطينية التي سواها الإسرائيليون بالأرض بعد حرب عام 1948ز

في إحدى الليالي حالكة السواد استيقظ فجأة على أصوات انفجارات بعيدة تقترب، وعلى هرج في المنزل، وخروج فجائي، وعدوٍ استمر لأكثر من ست وثلاثين ساعة تخلله اختباء في المزارع من أولئك الذين يقتلون ويحرقون ويدمرون كل ما يجدونه أمامهم "عصابات الهاجاناة".

ويستيقظ الطفل محمود درويش ليجد نفسه في مكان جديد اسمه "لبنان"، وهنا يبدأ وعيه بالقضية يتشكل من وعيه ببعض الكلمات، مثل: فلسطين، وكالات الغوث، الصليب الأحمر، المخيم، واللاجئين… وهي الكلمات التي شكّلت مع ذلك إحساسه بهذه الأرض، حين كان لاجئا فلسطينيا، وسُرقت منه طفولته وأرضه.

وفي عامه السابع عشر تسلل إلى فلسطين عبر الحدود اللبنانية، وعن هذه التجربة يقول:

"قيل لي في مساء ذات يوم.. الليلة نعود إلى فلسطين، وفي الليل وعلى امتداد عشرات الكيلومترات في الجبال والوديان الوعرة كنا نسير أنا وأحد أعمامي ورجل آخر هو الدليل، في الصباح وجدت نفسي أصطدم بجدار فولاذي من خيبة الأمل: أنا الآن في فلسطين الموعودة؟! ولكن أين هي؟ فلم أعد إلى بيتي، فقد أدركت بصعوبة بالغة أن القرية هدمت وحرقت".

هكذا عاد الشاب محمود درويش إلى قريته فوجدها قد صارت أرضا خلاء، فصار يحمل اسما جديدا هو: "لاجئ فلسطيني في فلسطين"، وهو الاسم الذي جعله مطاردًا دائما من الشرطة الإسرائيلية، فهو لا يحمل بطاقة هوية إسرائيلية؛ لأنه "متسلل".. وبالكاد وتنسيقًا مع وكالات الغوث بدأ الشاب اليافع في العمل السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي، محاولا خلق مناخ معادٍ للممارسات الإرهابية الصهيونية، وكان من نتيجة ذلك أن صار محررا ومترجما في الصحيفة التي يصدرها الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح)، وهو الحزب الذي رفع في تلك الفترة المبكرة من الستينيات شعارا يقول: "مع الشعوب العربية.. ضد الاستعمار"، وهي الفترة ذاتها التي بدأ يقول فيها الشعر، واشتُهر داخل المجتمع العربي في فلسطين بوصفه شاعرا للمقاومة لدرجة أنه كان قادرا بقصيدته على إرباك حمَلة السلاح الصهاينة، فحينئذ كانت الشرطة الإسرائيلية تحاصر أي قرية تقيم أمسية شعرية لمحمود درويش.

وبعد سلسلة من المحاصرات، اضطر الحاكم العسكري إلى تحديد إقامته في الحي الذي يعيش فيه، فصار محظورا عليه مغادرة هذا الحي منذ غروب الشمس إلى شروقها في اليوم التالي، ظانا أنه سيكتم صوت الشاعر عبر منعه من إقامة أمسياته.

إلى المنفى: وطني على كتفي.. بقايا الأرض في جسد العروبة

وهنا بدأ محمود درويش الشاعر الشاب مرحلة جديدة في حياته بعد أن سُجن في معتقلات الصهيونية ثلاث مرات: 1961 – 1965 – 1967.

ففي مطلع السبعينيات وصل محمود درويش إلى بيروت مسبوقا بشهرته كشاعر، وعبر أعوام طويلة من التنقل كان شعره صوتا قويا يخترق أصوات انفجارات الحرب الأهلية في لبنان.

وفي عام 1977 وصلت شهرته إلى أوجها، حيث وُزع من كتبه أكثر من مليون نسخة في الوقت الذي امتلكت فيه قصائده مساحة قوية من التأثير على كل الأوساط، حتى إن إحدى قصائده (عابرون في كلام عابر) قد أثارت نقاشا حادا داخل الكنيست الإسرائيلي.

هذا التأثير الكبير أهَّله بجدارة لأن يكون عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على الرغم من عدم انتمائه لأية جماعة أو حزب سياسي منذ مطلع السبعينيات، وقد تطورت علاقته بمنظمة التحرير حتى اختاره "عرفات" مستشارا له فيما بعد ولفترة طويلة، وقد كان وجوده عاملا مهما في توحيد صفوف المقاومة حينما كان يشتد الاختلاف، وما أكثر ما كان يشتد!.

يذكر "زياد عبد الفتاح" أحد أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واقعة تؤكد هذا المعنى فيقول: "قرأ محمود درويش على المجلس الوطني الفلسطيني بكامل أعضائه ومراقبيه ومرافقيه وضيوفه وحرسه قصيدة: "مديح الظل العالي " فأثملهم وشغلهم عن النطاح السياسي الذي شب بينهم في تلك الجلسة.

وهذا ما جعل ياسر عرفات يحاول إقناع محمود درويش بُعيد إعلان قيام الدولة الفلسطينية في المنفى بتولي وزارة الثقافة الفلسطينية، ولكن الرد كان بالرفض، معللا هذا الرفض بأن أمله الوحيد هو العودة إلى الوطن ثم التفرغ لكتابة الشعر.

وقد عاش محمود درويش كثيرا من مآسي هذه المقاومة، وشاهد بنفسه كثيرين من أصدقائه ورفقاء كفاحه وهم يسقطون بأيدي القتلة الصهاينة، وكانت أكثر حوادث السقوط تأثيرا في نفسه حادث اغتيال "ماجد أبو شرار" في روما عام 1981، حين كانا يشاركان في مؤتمر عالمي لدعم الكتاب والصحفيين الفلسطينيين نظَّمه اتحاد الصحفيين العرب بالتعاون مع إحدى الجهات الثقافية الإيطالية.. وضع الموساد المتفجرات تحت سرير ماجد أبو شرار.. وبعد موته كتب محمود درويش في إحدى قصائده: "أصدقائي.. لا تموتوا".

كان محمود درويش مقيما في بيروت منذ مطلع السبعينيات، وعلى الرغم من تجواله المستمر إلا أنه قد اعتبرها محطة ارتكازه، كما كانت حياته في بيروت زاخرة بالنشاط الأدبي والثقافي، فقد أصدر منها في أواخر السبعينيات مجلة الكرمل التي رأس تحريرها والتي اعتبرت صوت اتحاد الكتاب الفلسطينيين.

تحت القصف: (بيروت.. لا)

أثناء قصف بيروت الوحشي، كان محمود درويش يعيش حياته الطبيعية، يخرج ويتنقل بين الناس تحت القصف، لم يكن يقاتل بنفسه، فهو لم يعرف يوما كيف يطلق رصاصة، لكن وجوده - وهو الشاعر المعروف - بين المقاتلين كان يرفع من معنوياتهم، وقد أثر قصف بيروت في درويش تأثيرا كبيرا على مستويات عديدة.

فعلى المستوى النفسي كانت المرة الأولى التي يحس فيها بالحنق الشديد، على الرغم من إحباطاته السابقة، وعلى المستوى الشعري أسهم هذا القصف في تخليه عن بعض غموض شعره لينزل إلى مستوى أي قارئ، فأنتج قصيدته الطويلة الرائعة "مديح الظل العالي"، معتبرا إياها قصيدة تسجيلية ترسم الواقع الأليم، وتدين العالم العربي، بل الإنسانية كلها.

وأسفر القصف عن خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، بينما فضّل محمود درويش البقاء في بيروت، معولا على عدم أهميته بالنسبة للصهاينة، لكنه وبعد عشرين يوما من بقائه علم أنه مطلوب للتصفية، فاستطاع أن يتسلل هاربا من بيروت إلى باريس ليعود مرة أخرى إلى حقيبته وطنا متنقلا ومنفى إجباريا. وبين القاهرة وتونس وباريس عاش محمود درويش حبيس العالم المفتوح معزولا عن جنته الموعودة.. فلسطين.

لقد كان الأمل في العودة هو ما يدفعه دائما للمقاومة، والنضال والدفع إلى النضال.

كان محمود درويش دائما يحلُم بالعودة إلى أرضه يشرب منها تاري**ا، وينشر رحيق شعره على العالم بعد أن تختفي رائحة البارود، لكنه حلم لم يتحقق حتى الآن!.

اتفاقات التسوية "لماذا تطيل التفاوض يا ملك الاحتضار"؟

في عام 1993 وأثناء تواجده في تونس مع المجلس الوطني الفلسطيني، أُتيح لمحمود درويش أن يقرأ اتفاق أوسلو، واختلف مع ياسر عرفات لأول مرة حول هذا الاتفاق، فكان رفضه مدويا، وعندما تم التوقيع عليه بالأحرف الأولى قدم استقالته من المجلس الوطني الفلسطيني، وشرح بعد ذلك أسباب استقالته قائلا: "إن هذا الاتفاق ليس عادلا؛ لأنه لا يوفر الحد الأدنى من إحساس الفلسطيني بامتلاك هويته الفلسطينية، ولا جغرافية هذه الهوية إنما يجعل الشعب الفلسطيني مطروحا أمام مرحلة تجريب انتقالي.. وقد أسفر الواقع والتجريب بعد ثلاث سنوات عن شيء أكثر مأساوية وأكثر سخرية، وهو أن نص أوسلو أفضل من الواقع الذي أنتجه هذا النص".

وعاد درويش في يونيو 1994 إلى فلسطين، واختار الإقامة في رام الله، وعانى مذلة الوجود في أرض تنتمي له، ويحكمها -ولا يحكمه- فيها شرطي إسرائيلي.. واستمر يقول الشعر تحت حصار الدبابات الإسرائيلية، إلى أن تم اجتياحها أخيرا، ولم يسلم هو شخصيا من هذا الاجتياح، حيث داهمت الشرطة الإسرائيلية منزله، وعبثت بأسلحته: أوراقه وأقلامه.

رحلة الإبداع "مع الشعر مجيئي … مع الشعر رحيلي"

"إذا كنا هامشيين إلى هذا الحد فكريا وسياسيا فكيف نكون جوهريين إبداعيا؟"

هكذا أجاب درويش، وهكذا يرى نفسه وسط عالم من الإبداع الجيد والمبدعين "الجوهريين"، رغم التقدير الذي يلقاه داخل وطننا العربي وخارجه الذي بلغ ذروته حين قام وفد من البرلمان العالمي للكتاب يضم وول سوينكا وخوسيه ساراماغو وفينثنثو كونسولو وبرايتن برايتنباك وخوان غويتيسولو إلى جانب كريستيان سالمون سكرتير البرلمان 24 مارس 2002 بزيارة درويش المحاصر في رام الله مثل ثلاثة ملايين من مواطنيه، وهذه الخطوة –زيارة وفد الأدباء لفلسطين- التي لم تستغل جيدا رغم أنها حدث في منتهى الأهمية – تنم عن المكانة التي يحتلها درويش على خريطة الإبداع العالمي.

وعلى هامش الزيارة كتب الكاتب الأسباني خوان غويتسولو مقالا نشره في عدد من الصحف الفرنسية والأسبانية اعتبر فيه محمود درويش أحد أفضل الشعراء العرب في القرن الحالي ويرمز تاري** الشخصي إلى تاريخ قومه، وقال عن درويش إنه استطاع: تطوير هموم شعرية جميلة ومؤثرة احتلت فيها فلسطين موقعا مركزيا، فكان شعره التزاما بالكلمة الجوهرية الدقيقة، وليس شعرا نضاليا أو دعويا، هكذا تمكن درويش، شأنه في ذلك شأن الشعراء الحقيقيين، من ابتكار واقع لفظي يرسخ في ذهن القارئ باستقلال تام عن الموضوع أو الباعث الذي أحدثه.

وكان درويش قد شارك في الانتفاضة الأخيرة بكلماته التي لا يملك غيرها بديوان كتبه في أقل من شهر عندما كان محاصرا في رام الله، وأعلن درويش أنه كتب هذا الديوان – الذي أهدى ريعه لصالح الانتفاضة – حين كان يرى من بيته الدبابات والجنود, ويقول: "لم تكن لدي طريقة مقاومة إلا أن أكتب, وكلما كتبت أكثر كنت أشعر أن الحصار يبتعد, وكانت اللغة وكأنها تبعد الجنود لأن قوتي الوحيدة هي قوة لغوية".

وتابع قائلا "كتبت عن قوة الحياة واستمرارها وأبدية العلاقة بالأشياء والطبيعة. الطائرات تمر في السماء لدقائق ولكن الحمام دائم.. كنت أتشبث بقوة الحياة في الطبيعة للرد على الحصار الذي أعتبره زائلا؛ لأن وجود الدبابة في الطبيعة وجود ناشز وليس جزءا من المشهد الطبيعي".

اللافت أن درويش لم يخاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي إريل شارون في أي قصيدة من قصائد الديوان. وقال درويش بشأن ذلك: إن شارون "لا يستحق قصيدة فهو يفسد اللغة.. هو متعطش للدماء ولديه حقد كبير, ولكن المشكلة في الدعم الأميركي الذي يمنحه بعد كل مجزرة وساما بأنه رجل سلام".

وما زال الشاعر ابن الستين ربيعا متفجرا يعيش تحت سماء من دخان البارود الإسرائيلي وخلف حوائط منزل صغير مهدد في كل وقت بالقصف أو الهدم، وبجسد مهدد في كل وقت بالتحول إلى غربال.. ورغم ذلك فإن كل هذا يقوي من قلمه، ويجعله أشد مقاومة.

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 07:59 PM
إصدارات الشاعر محمود درويش


شعر:

ديوان " عصافير بلا أجنحة " (1960)

ديوان " أوراق الزيتون " (1964)

ديوان " عاشق في فلسطين " (1966)

ديوان " آخر الليل " (1967)

ديوان " العصافير تموت في الجليل " (1969)

ديوان " حبيبتي تنهض من نومها " (1970)

ديوان " أحبك أولا أحبك " (1972)

ديوان " محاولة رقم 7 " (1974)

ديوان " تلك صورتها، وهذا انتحار العاشق " (1975)

ديوان " أعراس " (1977)

صباح الخير يا ماجد - لجنة تخليد الشهيد القائد ماجد أبو شرار (1981)

ديوان " مديح الظل العالي " (1983)

ديوان " حصار لمدائح البحر " (1984)

ديوان " هي أغنية، هي أغنية " (1986)

ديوان " ورد أقل " (1987)

ديوان " مأساة النرجس، ملهاة الفضة " (1989)

ديوان " أرى ما أريد " (1990)

ديوان " أحد عشر كوكباً " (1992)

ديوان محمود درويش - الأعمال الشعرية الكاملة (جزآن) (1994)

ديوان " لماذا تركت الحصان وحيداً " (1995)

ديوان " سرير الغريبة " (1999)

جدارية محمود درويش (2000)

حالة حصار (2002)



نثر:

شيء عن الوطن

وداعاً أيتها الحرب، وداعاً أيها السلام

يوميات الحزن العادي (1976)

ذاكرة للنسيان (1987)

في وصف حالتنا : مقالات مختارة ، 1975 _ 1985 (1987)

عابرون في كلام عابر (1991)

الرسائل ( بالاشتراك مع سميح القاسم ) (1990)

المختلف الحقيقي (1990)


======================================



عابرون في كلام عابر
---------------------------------------------

أيها المارون في الكلمات العابرة

احملوا أسمائكم وانصرفوا

وأسحبوا ساعاتكم من وقتنا ، وانصرفوا

وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة

و خذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا

إنكم لن تعرفوا

كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء



أيها المارون بين الكلمات العابرة

منكم السيف - ومنا دمنا

منكم الفولاذ والنار- ومنا لحمنا

منكم دبابة أخري- ومنا حجر

منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر

وعلينا ما عليكم من سماء وهواء

فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا



وادخلوا حفلة عشاء راقص ... وانصرفوا

وعلينا , نحن , أن نحرس ورد الشهداء

وعلينا , نحن , أن نحيا كما نحن نشاء



أيها المارون بين الكلمات العابرة

كالغبار المر , مروا أينما شئتم .. ولكن

لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة

فلنا في أرضنا ما نعمل

ولنا قمح نربيه ونسقيه ندى أجسادنا

:و لنا ما ليس يرضيكم هنا

حجر أو حجل

فخذوا الماضي , إذا شئتم , إلى سوق التحف

وأعيدوا الهيكل العظمي للهدهد , إن شئتم

على صحن خزف

فلنا ما ليس يرضيكم : لنا المستقبل

ولنا في أرضنا ما نعمل



أيها المارون بين الكلمات العابرة

كدّسوا أوهامكم في حفرة مهجورة , وانصرفوا

وأعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس

أو إلى توقيت موسيقى المسدس

ولنا ما ليس يرضيكم هنا , فانصرفوا

ولنا ما ليس فيكم : وطن ينزف شعبا ينزف

وطنا يصلح للنسيان أو للذاكرة



أيها المارون بين الكلمات العابرة

آن أن تنصرفوا

وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا

آن أن تنصرفوا

ولتموتوا أينما شئتم ولكن لا تموتو بيننا

فلنا في أرضنا ما نعمل

ولنا الماضي هنا

ولنا صوت الحياة الأول

ولنا الحاضر، والحاضر ، والمستقبل

ولنا الدنيا هنا .. والآخرة



فاخرجوا من أرضنا

من برنا .. من بحرنا

من برنا ... من بحرنا

من قمحنا .. من ملحنا .. من جرحنا



من كل شيء , واخرجوا

من ذكريات الذاكرة

أيها المارون بين الكلمات العابرة!..

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:00 PM
قصيدة الأرض


-1-

في شهر آذار، في سنة الإنتفاضة، قالت لنا الأرضُ أسرارها الدموية. في شهر آذار مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمس بنات. وقفن على باب مدرسة إبتدائية، واشتعلن مع الورد والزعتر البلديّ. افتتحن نشيد التراب. دخلن العناق النهائي – آذار يأتي إلى الأرض من باطن الأرض يأتي، ومن رقصة الفتيات – البنفسج مال قليلاً ليعبر صوت البنات. العصافيرُ مدّت مناقيرها في اتّجاه النشيد وقلبي.

أنا الأرض

والأرض أنت

خديجةُ! لا تغلقي الباب

لا تدخلي في الغياب

سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل

سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل

سنطردهم من هواء الجليل.

وفي شهر آذار، مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمس بناتٍ. سقطن على باب مدرسةٍ إبتدائيةٍ. للطباشير فوق الأصابع لونُ العصافيرِ. في شهر آذار قالت لنا الأرض أسرارها.

-2-

أُسمّي الترابَ امتداداً لروحي

أُسمّي يديّ رصيفَ الجروح

أُسمّي الحصى أجنحة

أسمّي العصافير لوزاً وتين

وأستلّ من تينة الصدر غصناً

وأقذفهُ كالحجرْ

وأنسفُ دبّابةَ الفاتحين.



-3-

وفي شهر آذار، قبل ثلاثين عاما وخمس حروب،

وُلدتُ على كومة من حشيش القبور المضيء.

أبي كان في قبضة الإنجليز. وأمي تربّي جديلتها وامتدادي على العشب. كنت أحبّ "جراح الحبيب" و أجمعها في جيوبي، فتذبلُ عند الظهيرة، مرّ الرصاص على قمري الليلكي فلم ينكسر،

غير أنّ الزمان يمرّ على قمري الليلكي فيسقطُ سهواً...

وفي شهر آذار نمتدّ في الأرض

في شهر آذار تنتشرُ الأرض فينا

مواعيد غامضةً

واحتفالاً بسيطاً

ونكتشف البحر تحت النوافذ

والقمر الليلكي على السرو

في شهر آذار ندخلٌُ أوّل سجنٍ وندخلُ أوّل حبّ

وتنهمرُ الذكريات على قريةً في السياج

وُلدنا هناك ولم نتجاوز ظلال السفرجل

كيف تفرّين من سُبُلي يا ظلال السفرجل؟

في شهر آذار ندخلُ أوّل حبٍّ

وندخلُ أوّل سجنٍ

وتنبلجُ الذكريات عشاءً من اللغة العربية:

قال لي الحبّ يوماً: دخلت إلى الحلم وحدي فضعتُ وضاع بي الحلم. قلت تكاثرْ!

تر النهر يمشي إليك.

وفي شهر آذار تكتشف الأرض أنهارها.

-4-

بلادي البعيدة عنّي.. كقلبي!

بلادي القريبة مني.. كسجني!

لماذا أغنّي

مكاناً، ووجهي مكانْ؟

لماذا أغنّي

لطفل ينامُ على الزعفران؟

وفي طرف النوم خنجر

وأُمي تناولني صدرها

وتموتُ أمامي

بنسمةِ عنبر؟

-5-

وفي شهر آذار تستيقظ الخيل

سيّدتي الأرض!

أيّ نشيدٍ سيمشي على بطنك المتموّج، بعدي؟

وأيّ نشيدٍ يلائم هذا الندى والبخور

كأنّ الهياكل تستفسرُ الآن عن أنبياء فلسطين في بدئها المتواصل

هذا اخضرار المدى واحمرار الحجارة-

هذا نشيدي

وهذا خروجُ المسيح من الجرح والريح

أخضر مثل النبات يغطّي مساميره وقيودي

وهذا نشيدي

وهذا صعودُ الفتى العربيّ إلى الحلم والقدس.

في شهر آذار تستيقظ الخيلُ.

سيّدتي الأرض!

والقمم اللّولبية تبسطها الخيلُ سجّادةً للصلاةِ السريعةِ

بين الرماح وبين دمي.

نصف دائرةٍ ترجعُ الخيلُ قوسا

ويلمعُ وجهي ووجهك حيفا وعُرسا

وفي شهر آذار ينخفضُ البحر عن أرضنا المستطيلة مثل

حصانٍ على وترِ الجنس

في شهر آذار ينتفضُ الجنسُ في شجر الساحل العربي

وللموج أن يحبس الموج ... أن يتموّج...أن

يتزوّج .. أو يتضرّح بالقطن

أرجوك – سيّدتي الأرض – أن تسكنيني وأن تسكنين صهيلك

أرجوك أن تدفنيني مع الفتيات الصغيرات بين البنفسج والبندقية

أرجوك – سيدتي الأرض – أن تخصبي عمري المتمايل بين سؤالين: كيف؟ وأين؟

وهذا ربيعي الطليعي

وهذا ربيعي النهائيّ

في شهر آذار زوّجتُ الأرضُ أشجارها.

-6-

كأنّي أعود إلى ما مضى

كأنّي أسيرُ أمامي

وبين البلاط وبين الرضا

أعيدُ انسجامي

أنا ولد الكلمات البسيطة

وشهيدُ الخريطة

أنا زهرةُ المشمش العائلية.

فيا أيّها القابضون على طرف المستحيل

من البدء حتّى الجليل

أعيدوا إليّ يديّ

أعيدوا إليّ الهويّة!

-7-

وفي شهر آذار تأتي الظلال حريرية والغزاة بدون ظلال

وتأتي العصافير غامضةً كاعتراف البنات

وواضحة كالحقول

العصافير ظلّ الحقول على القلب والكلمات.

خديجة!

- أين حفيداتك الذاهباتُ إلى حبّهن الجديد؟

- ذهبن ليقطفن بعض الحجارة-

قالت خديجة وهي تحثّ الندى خلفهنّ.

وفي شهر آذار يمشي التراب دماً طازجاً في الظهيرة. خمس بناتٍ يخبّئن حقلاً من القمح تحت الضفيرة. يقرأن مطلع أنشودةٍ على دوالي الخليل، ويكتبن خمس رسائل:

تحيا بلادي

من الصفر حتّى الجليل

ويحلمن بالقدس بعد امتحان الربيع وطرد الغزاة.

خديجةُ! لا تغلقي الباب خلفك

لا تذهبي في السحاب

ستمطر هذا النهار

ستمطرُ هذا النهار رصاصاً

ستمطرُ هذا النهار!

وفي شهر آذار، في سنة الانتفاضة، قالت لنا الأرض أسرارها الدّمويّة: خمسُ بناتٍ على باب مدرسةٍ ابتدائية يقتحمن جنود المظلاّت. يسطعُ بيتٌ من الشعر أخضر... أخضر. خمسُ بناتٍ على باب مدرسة إبتدائيّة ينكسرن مرايامرايا

البناتُ مرايا البلاد على القلب..

في شهر آذار أحرقت الأرض أزهارها.

-8-

أنا شاهدُ المذبحة

وشهيد الخريطة

أنا ولد الكلماتُ البسيطة

رأيتُ الحصى أجنحة

رأيت الندى أسلحة

عندما أغلقوا باب قلبي عليّاً

وأقاموا الحواجز فيّا

ومنع التجوّل

صار قلبي حارةْ

وضلوعي حجارةْ

وأطلّ القرنفل

وأطلّ القرنفل

-9-

وفي شهر آذار رائحةٌ للنباتات. هذا زواجُ العناصر. "آذار أقسى الشهور" وأكثرها شبقاً. أيّ سيفٍ سيعبرُ بين شهيقي وبين زفيري ولا يتكسّرُ ! هذا عناقي الزّراعيّ في ذروة الحب. هذا انطلاقي إلى العمر.

فاشتبكي يا نباتات واشتركي في انتفاضة جسمي، وعودة حلمي إلى جسدي

سوف تنفجرُ الأرضُ حين أُحقّقُ هذا الصراخ المكبّل بالريّ والخجل القرويّ.

وفي شهر آذار نأتي إلى هوس الذكريات، وتنمو علينا النباتات صاعدةىً في اتّجاهات كلّ البدايات. هذا نموُّ التداعي. أُسمّي صعودي إلى الزنزلخت التداعي. رأيت فتاةً على شاطئ البحر قبل ثلاثين عاماً وقلتُ: أنا الموجُ، فابتعدتُ في التداعي. رأيتُ شهيدين يستمعان إلى البحر:عكّا تجئ مع الموج.

عكّا تروح مع الموج. وابتعدا في التداعي.

ومالت خديجة نحو الندى، فاحترقت. خديجة! لا تغلقي الباب!

إن الشعوب ستدخلُ هذا الكتاب وتأفل شمسُ أريحا بدونِ طقوس.

فيا وطن الأنبياء...تكامل!

ويا وطن الزراعين.. تكاملْ!

ويا وطن الشهداء.. . تكامل!

ويا وطن الضائعين .. تكامل!

فكلّ شعاب الجبال امتدادٌ لهذا النشيد.

وكلّ الأناشيد فيك امتدادٌ لزيتونة زمّلتني.

-10-

مساءٌ صغيرٌ على قريةٍ مهملة

وعيناك نائمتان

أعودُ ثلاثين عاماً

وخمس حروبٍ

وأشهدُ أنّ الزمانْ

يخبّئ لي سنبلة

يغنّي المغنّي

عن النار والغرباء

وكان المساءُ مساء

وكان المغنّي يغنّي



ويستجوبونه:

لماذا تغنّي؟

يردّ عليهم:

لأنّي أغنّي

.....

وقد فتّشوا صدرهُ

فلم يجدوا غير قلبه

وقد فتّشوا قلبه

فلم يجدوا غير شعبه

وقد فتشوا صوته

فلم يجدوا غير حزنه

وقد فتّشوا حزنه

فلم يجدوا غير سجنه

وقد فتّشوا سجنه

فلم يجدوا غيرهم في القيود

وراء التّلال

ينامُ المغنّي وحيداً

وفي شهر آذار

تصعدُ منه الظلال

-11-

أنا الأملُ والسهلُ والرحبُ – قالت لي الأرضُ والعشبُ مثل التحيّة في الفجر

هذا احتمالُ الذهاب إلى العمر خلف خديجة. لم يزرعوني لكي يحصدوني

يريد الهواء الجليليّ أن يتكلّم عنّي، فينعسُ عند خديجة

يريد الغزال الجليليّ أن يهدم اليوم سجني، فيحرسُ ظلّ خديجة وهي تميل على نارها.

يا خديجةُ! إنّي رأيتُ .. وصدّقتُ رؤياي تأخذني في مداها وتأخذني في هواها. أنا العاشق الأبديّ، السجين البديهيّ. يقتبس البرتقالُ اخضراري ويصبحُ هاجسَ يافا

أنا الأرضُ منذ عرفت خديجة

لم يعرفوني لكي يقتلوني

بوسع النبات الجليليّ أن يترعرع بين أصابع كفّي ويرسم هذا المكان الموزّع بين اجتهادي وحبّ خديجة

هذا احتمال الذهاب الجديد إلى العمر من شهر آذار حتّى رحيل الهواء عن الأرض

هذا الترابُ ترابي

وهذا السحابُ سحابي

وهذا جبين خديجة

أنا العاشقُ الأبديّ – السجينُ البديهيّ

رائحة الأرض توقظني في الصباح المبكّر..

قيدي الحديديّ يوقظها في المساء المبكّر

هذا احتمال الذهابُ الجديد إلى العمر،

لا يسأل الذاهبون إلى العمر عن عمرهم

يسألون عن الأرض: هل نهضت

طفلتي الأرض!

هل عرفوك لكي يذبحوك؟

وهل قيّدوك بأحلامنا فانحدرت إلى جرحنا في الشتاء؟

وهل عرفوك لكي يذبحوك

وهل قيّدوك بأحلامهم فارتفعت إلى حلمنا في الربيع؟

أنا الأرض..

يا أيّها الذاهبون إلى حبّة القمح في مهدها

احرثوا جسدي!

أيّها الذاهبون إلى صخرة القدس

مرّوا على جسدي

أيّها العابرون على جسدي

لن تمرّوا

أنا الأرضُ في جسدٍ

لن تمرّوا

أنا الأرض في صحوها

لن تمرّوا

أنا الأرض. يا أيّها العابرون على الأرض في صحوها

لن تمرّوا

لن تمرّوا

لن تمرّوا!

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:00 PM
رسـالة مـن المـنفـى
------------------------------------------------
تحيةً.. وقبلةً

وليسَ عندي ما أقولُ بعدْ

من أينَ أبتدي؟ وأينَ أنتهي؟..

ودورةُ الزمانِ دونَ حدّ

وكلُّ ما في غربتي

زوّادةٌ، فيها رغيفٌ يابسٌ، ووَجدْ

ودفترٌ يحملُ عنّي بعضَ ما حملتْ

بصقتُ في صفحاتهِ ما ضاقَ بي من حقدْ

من أينَ أبتدي؟

وكلُّ ما قيلَ وما يقالْ بعدَ غدْ

لا ينتهي بضمّةٍ.. أو لمسةٍ من يدْ

لا يُرجعُ الغريبَ للديار

لا يُنزلُ الأمطار

لا يُنبتُ الريشَ على

جناحِ طيرٍ ضائعٍ.. منهدّ

من أينَ أبتدي؟

تحيةً.. وقبلةً.. وبعدْ..



-2-

أقولُ للمذياع.. قلْ لها أنا بخيرْ

أقولُ للعصفورِ

إن صادفتَها يا طيرْ

لا تنسني، وقلْ بخيرْ

أنا بخيرْ

أنا بخيرْ

ما زال في عينيَّ بصرْ!

ما زالَ في السّما قمرْ!

وثوبي العتيق، حتى الآنَ، ما اندثرْ

تمزقت أطرافهُ

لكنني رتقتهُ.. ولم يزلْ بخيرْ

وصرتُ شاباً جاوزَ العشرين

تصوريني.. صرتُ في العشرينْ

وصرتُ كالشبابِ يا أمّاه

أواجهُ الحياه

وأحملُ العبءَ كما الرجالُ يحملونْ

وأشتغل

في مطعمٍ.. وأغسلُ الصحون.

وأصنعُ القهوةَ للزبونْ

وألصقُ البسماتِ فوق وجهيَ الحزينْ

ليفرحَ الزبونْ



-3-

أنا بخيرْ

قد صرتُ في العشرينْ

وصرتُ كالشباب يا أمّاه

أدخّنُ التبغَ، وأتّكي على الجدارْ

أقولُ للحلوةِ: آه

كما يقولُ الآخرونْ

« يا إخوتي، ما أطيبَ البنات،

تصوروا كم مُرَّةٌ هيَ الحياة

بدونهنَّ.. مُرّة هي الحياة »

وقالَ صاحبي: « هل عندكم رغيف؟

يا إخوتي؛ ما قيمةُ الإنسانْ

إن نامَ كلَّ ليلةٍ.. جوعانْ؟ »

أنا بخيرْ

أنا بخيرْ

عندي رغيفٌ أسمر

وسلّةٌ صغيرةٌ من الخضار



-4-

سمعتُ في المذياعْ

تحيةَ المشرّدينَ.. للمشرّدينْ

قالَ الجميعُ: كلّنا بخيرْ

لا أحدٌ حزينْ ؛

فكيفَ حالُ والدي؟

ألمْ يزَلْ كعهدهِ، يحبُّ ذكرَ الله

والأبناءَ.. والترابَ.. والزيتون؟

وكيفَ حالُ إخوتي

هل أصبحوا موظفين؟

سمعتُ يوماً والدي يقولْ:

سيصبحونَ كلهم معلمين…

سمعتهُ يقول:

(أجوعُ حتى أشتري لهم كتاب)

لا أحد في قريتي يفكُّ حرفاً في خطاب

وكيفَ حالُ أختنا

هل كبرتْ.. وجاءها خُطّاب؟

وكيفَ حالُ جدّتي

ألم تزلْ كعهدها تقعدُ عندَ البابْ؟

تدعو لنا…

بالخيرِ.. والشبابِ.. والثوابْ!

وكيفَ حالُ بيتنا

والعتبةِ الملساء.. والوجاقِ.. والأبوابْ؟

سمعتُ في المذياعْ

رسائل المشرّدينَ.. للمشردينْ

جميعهم بخيرْ!

لكنني حزينْ..

تكادُ أن تأكلَني الظنونْ

لم يحملِ المذياعُ عنكم خبراً..

ولو حزينْ

ولو حزينْ



-5-

الليلُ – يا أمّاهُ – ذئبٌ جائعٌ سفّاحْ

يطاردُ الغريبَ أينما مضى..

ويفتحُ الآفاقَ للأشباحْ

وغابةُ الصفصافِ لم تزلْ تعانقُ الرياحْ

ماذا جنينا نحنُ يا أماهْ؟

حتّى نموتَ مرّتين

فمرّةً نموتُ في الحياة

ومرةً نموتُ عندَ الموتْ!

هل تعلمينَ ما الذي يملأني بكاء؟

هَبي مرضتُ ليلةً.. وهدَّ جسمي الداء!

هل يذكرُ المساءْ

مهاجراً أتى هنا.. ولم يعدْ إلى الوطن؟

هل يذكر المساءْ

مهاجراً ماتَ بلا كفنْ؟

يا غابةَ الصفصاف! هل ستذكرين

أن الذي رَموْه تحتَ ظلّكِ الحزينْ

-كأيِّ شيءٍ ميّتٍ – إنسانْ؟

هل تذكرينَ أنني إنسانْ

وتفظينَ جثتي من سطوةِ الغربانْ؟



أمّاهُ يا أماه.

لمن كتبتُ هذهِ الأوراق

أيُّ بريدٍ ذاهبٍ يحملها؟

سُدَّت طريقُ البرِّ والبحارِ والآفاقْ..

وأنتِ يا أمّاه

ووالدي، وإخوتي، والأهلُ، والرفاقْ..

لعلّكم أحياءْ

لعلّكم أمواتْ

لعلّكم مثلي بلا عنوانْ

ما قيمةُ الإنسان

بلا وطن

بلا علَمْ

ودونما عنوانْ

ما قيمةُ الإنسانْ؟

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:01 PM
عندما يذهب الشهداء الى النوم أصحو


تصبحون على وطن .....

من ديوان ورد أقل

محمود درويش







عندما يذهب الشهداء الى النوم أصحو

وأحرسهم من هواة الرِّثاء

أقول لهم :

تُصبحون على وطن،
من سحابٍ ومن شجرٍ،
من سراب وماء

أهنئُهُم بالسلامةِ من حادثِ المُستحيل
ومن قيمة المذبح الفائضة
وأسرقُ وقتَا لكي يسرقوني من الوقتِ.

هل كُلُنا شهداء؟

وأهمس :

يا أصدقائي اتركوا حائطاَ واحداً،
لحبال الغسيل،
اتركوا ليلةًَ للغناء

اُعلِّق أسماءكم أين شئتم فناموا قليلاً،
وناموا على سلم الكرمة الحامضة

لأحرس أحلامكم من خناجر حُراسكم
وانقلاب الكتاب على الأنبياء

وكونوا نشيد الذي لا نشيد له

عندما تذهبون إلى النوم هذا المساء
أقول لكم :
تصبحون على وطنٍ

حمّلوه على فرس راكضه

وأهمس :

يا أصدقائي
لن تصبحوا مثلنا ...

حبل مشنقةٍ غامضه !

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:01 PM
في الثانية عشرة تعرضت للاضطهاد لأنهم رأوا فيك الشاعر، وفي السادسة عشرة دخلت السجن، وهناك فقط أدركت أن أمك تحبك لأنها جاءت لزيارتك في السجن، وقد كتبت تلك القصيدة الشهيرة "أحن الى خبز أمي" والتي أصبحت ترنيمة عاطفية وشعرية في العالم العربي بأسره. هل تحدثنا عن هذه القصيدة؟

المشكلة أن الأطفال لا يفهمون أهلهم، والطفولة تطرح أسئلة بريئة ولا تستطيع أن تضع نفسها في الوضع النفسي والاقتصادي للأهل. وعندما انتقلت أسرتي من وضعها الاقتصادي المعقول، -لأننا كنا أسرة فلاحية تنتج خبزها وتحرث حقلها وتربي خيولها- الى وضع الأسرة اللاجئة التي تعيش حياة اجتماعية في منتهى القسوة (كنا ننام خمسة أشخاص في غرفة واحدة)، عندها شعرنا بالحرمان وحملنا أهلنا مسؤولية هذا الحرمان. وبالطبع، هذا الوضع المعاشي الصعب جعل الأهل أقسى مما كانوا عليه في السابق، وبالتالي كان انطباعي عن قسوة أمي انطباعا خاطئا، لأنها كانت تضطر الى السير مسافات طويلة لكي تحمل لنا الماء، الأمر الذي لم يكن يسمح لها بالتعبير عن عواطفها تجاهنا، وهذا ما أدركته فيما بعد. وانني أعتذر الآن عن هذا الشعور المبكر، وقد عبرت لها كثيرا ومرارا عن اعتذاري، وأهديتها الكثير من القصائد.
وعندما كنت في السجن زارتني وهي تحمل الفواكه والقهوة، ولا أنسى حزنها عندما صادر السجان ابريق القهوة وسكبه على الأرض، ولا أنسى دموعها، لذلك كتبت لها اعترافا شخصيا في زنزانتي، على علبة سجائر، أقول فيه:
أحن الى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي..
وتكبر في الطفولة
يوما على صدر يوم
وأعشق عمري لأني
اذا مت،
أخجل من دمع أمي.

وكنت أظن أن هذا اعتذار شخصي من طفل الى أمه، ولم أعرف أن هذا الكلام سيتحول الى أغنية يغنيها ملايين الأطفال العرب. هذا يعني أن الشعر يأتي من احساس شخصي وأشياء حميمة، وليس من الأسئلة الكبرى لأن هذه تنبثق من أسئلة صغرى، ولأنه تبين أن هذا الطفل ليس في أنا فقط بل انه في الكثير من الأطفال، وأن أمي ليست أما شخصية بل عامة.

......... محمود درويش

إلى أمي
________________________________________________

أحنُّ إلى خبزِ أمّي
وقهوةِ أمّي
ولمسةِ أمّي
وتكبرُ فيَّ الطفولةُ
يوماً على صدرِ يومِ
وأعشقُ عمري لأنّي
إذا متُّ
أخجلُ من دمعِ أمّي
* * *
خذيني، إذا عدتُ يوماً
وشاحاً لهُدبكْ
وغطّي عظامي بعشبٍ
تعمّد من طُهرِ كعبكْ
وشدّي وثاقي..
بخصلةِ شَعر..
بخيطٍ يلوّحُ في ذيلِ ثوبكْ
عساني أصيرُ إلهاً
إلهاً أصير..
إذا ما لمستُ قرارةَ قلبكْ!
* * * ضعيني، إذا ما رجعتُ
وقوداً بتنّورِ ناركْ
وحبلِ الغسيلِ على سطحِ دارِكْ
لأني فقدتُ الوقوفَ
بدونِ صلاةِ نهارِكْ
هرِمتُ، فرُدّي نجومَ الطفولة
حتّى أُشارِكْ
صغارَ العصافيرِ
دربَ الرجوع..
لعشِّ انتظاركْ..

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:01 PM
الـجسـر
________________________________________________

مشياً على الأقدامِ،

أو زحفاً على الأيدي نعودُ

قالوا..

وكانَ الصخرُ يضمرُ

والمساءُ يداً تقودُ..

لم يعرفوا أنَّ الطريقَ إلى الطريقِ

دمٌ، ومصيدةٌ، وبيدُ

كلُّ القوافلِ قبلهم غاصتْ،

وكانَ النهرُ يبصقُ ضفتيهِ

قطعاً من اللحمِ المفتتِ،

في وجوهِ العائدين

كانوا ثلاثةً عائدين:

شيخٌ، وابنتهُ، وجنديٌّ قديم

يقفونَ عند الجسرِ..

(كان الجسرُ نعساناً، وكانَ الليلُ قبعةًَ.

وبعدَ دقائقَ يصلون. هل في البيتِ ماء؟

وتحسّسَ المفتاحَ ثم تلا من القرآنِ آية...)

قالَ الشيخُ منتعشاً: وكم من منزلٍ في الأرضِ يألفهُ الفتى

قالتْ: ولكنَّ المنازلَ يا أبي أطلالُ !

فأجابَ: تبنيها يدانِ..

ولم يتمَّ حديثهُ، إذ صاحَ صوتٌ في الطريق: تعالوا !

وتلتهُ صقطقةُ البنادق..

لن يمرَّ العائدون

حرسُ الحدودِ مرابطٌ

يحمي الحدودَ من الحنين

(أمرٌ بإطلاقِ الرصاص على الذي يجتاز هذا الجسر

هذا الجسرُ مقصلةُ الذي رفضَ التسوّلَ تحتَ ظلِّ وكالةِ الغوثِ الجديدهْ.

والموتَ بالمجّانِ تحتَ الذلِّ والأمطار، من يرفضه يُقتلُ عندَ هذا الجسرْ.

هذا الجسرْ مقصلةُ الذي ما زالَ يحلُمُ بالوطن).

الطلقةُ الأولى أزاحتْ عن جبينِ الليلِ

قبعةَ الظلام

والطلقةُ الأخرى..

أصابتْ قلبَ جنديٍّ قديم

والشيخُ يأخذُ كفَّ ابنتهِ ويتلو

همساً من القرآنِ سورهْ

وبلهجةٍ كالحلمِ قال:

- عينا حبيبتيَ الصغيرهْ

ليَ، يا جنود، ووجهها القمحيُّ لي

لا تقتلوها، واقتلوني

(كانت مياهُ النهرِ أغزر..

فالذينَ رفضوا هناكَ الموتَ بالمجّان أعطوا النهرَ لوناً آخراً.

والجسرُ، حينَ يصيرُ تمثالاً، سيُصبغُ – دونَ ريبٍ-

بالظهيرةِ والدماءِ وخضرةِ الموتِ المفاجئ).

... وبرغمِ أنَّ القتلَ كانَ كالتدخين..

لكنَّ الجنودَ "الطيّبين"،

الطالعينَ على فهارسِ دفترٍ..

قذفتهُ أمعاءُ السنين،

لم يقتلوا الاثنين..

كانَ الشيخُ يسقطُ في مياهِ النهرِ

والبنتُ التي صارتْ يتيمهْ

كانتْ ممزّقةَ الثياب،

وطارَ عطرُ الياسمين

على صدرها العاري الذي

ملأتهُ رائحةُ الجريمهْ

والصمتُ خيّمَ مرّةً أخرى،

وعادَ النهرُ يبصقُ ضفتيهِ

قطعاً من اللحمِ المفتت

.. في وجوهِ العائدين

لم يعرفوا أنَّ الطريقَ إلى الطريقِ

دمٌ ومصيدةٌ. ولم يعرفْ أحد

شيئاً عن النهرِ الذي

يمتصُّ لحمَ النازحين

(والجسرُ يكبرُ كلَّ يومٍ كالطريقْ،

وهجرةُ الدمِ في مياهِ النهرِ تنحتُ من حصى الوادي

تماثيلاً لها لونُ النجوم، ولسعةُ الذكرى،

وطعمُ الحبِّ حينَ يصيرُ أكثرَ من عبادة).

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:02 PM
موسيقى عربية
________________________________________________


( ليتَ الفتى حَجَرٌ )

يا ليتني حَجَرُ...

أكُلَّما شَرَدَتْ عينانِ

شرَّدَني

هذا السحابُ سحابًا

كُلَّما خَمَشَتْ عصفورةٌ أُفقًا

فَتَّشْتُ عن وَثَنِ?

أكُلَّما لَمَعَتْ جيتارَةٌ

خَضَعتْ

روحي لمصرعها في رَغْوَةِ السُّفُنِ

أكُلَّما وَجَدَتْ أُنثى أُنوثتها

أضاءني البرقُ من خصري

وأحرقني!

أكُلَّما ذَبُلَتْ خُبّيزَةٌ

وبكى طيرٌ على فننِ

أصابني مَرَضٌ

أو صِحْتُ: يا وطني!

أكُلَّما نَوَّرَ اللوزُ اشتعلتُ بِهِ

وكلما احترقا

كنتُ الدخانَ ومنديلاً

تمزقني

ريحُ الشمال، ويمحو وجهيَ المَطَرُ؟

ليت الفتى حَجَرٌ

يا ليتني حَجَرُ...

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:02 PM
العصافير تموت في الجليل
_________________________________________________


- نلتقي بعد قليلْ

بعد عامٍ

بعد عامين

وجيلْ...

ورَمَتْ في آلة التصوير

عشرين حديقةْ

وعصافيرَ الجليل.

ومضتْ تبحث، خلف البحر،

عن معنى جديد للحقيقة.

- وطني حبل غسيل

لمناديل الدم المسفوك

في كل دقيقةْ

وتمددتُ على الشاطئ

رملاً... ونخيلْ.



هِيَ لا تعرف-

يا ريتا! وهبناكِ أنا والموتُ

سِر الفرح الذابل في باب الجماركْ

وتجدَّدنا، أنا والموت،

في جبهتك الأولى

وفي شبّاك دارك.

وأنا والموت وجهان-

لماذا تهربين الآنَّ من وجهي

لماذا تهربين؟

ولماذا تهربين الآن ممّا

يجعل القمح رموشَ الأرض، ممّا

يجعل البركان وجهاً آخراً للياسمين؟...

ولماذا تهربينْ ؟...



كان لا يتعبني في الليل إلا صمتها

حين يمتدُّ أمام الباب

كالشارع... كالحيِّ القديمْ

ليكن ما شئت - يا ريتا –

يكون الصمتُ فأساً

أو براويز نجوم

أو مناخاً لمخاض الشجرةْ.

إنني أرتشف القُبلَة

من حدِّ السكاكين،

تعالي ننتمي للمجزرةْ !...



سقطت كالوَرَق الزائد

أسرابُ العصافير

بآبار الزمنْ...

وأنا أنتشل الأجنحة الزرقاء

يا ريتا،

أنا شاهدةُ القبر الذي يكبرُ

يا ريتا،

أنا مَنْ تحفر الأغلالُ

في جلديَ

شكلاً للوطنْ...

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:03 PM
نشيــــــد
__________________________________________________


-1-

لأجمل ضفة أمشي

فلا تحزن على قدمي

من الأشواك

إن خطايّ مثل الشمس

لا تقوى بدون دمي!

لأجمل ضفة أمشي

فلا تحزن على قلبي

من القرصان...

إن فؤاديَ المعجون كالأرضِ

نسيم في يد الحبِّ

وبارود على البغضِ!

لأجمل ضفة أمشي

فإما يهترىء نعلي

أضع رمشي

نعم... رمشي!

ولا أقفُ

ولا أهفو إلى نوم وأرتجف

لأن سرير من ناموا

بمنتصف الطريق...

كخشبة النعشِ!

تعالوا يا رفاق القيد والأحزان

كي نمشي

لأجمل ضفة نمشي

فلن نقهرْ

ولن نخسر

سوى النعشِ!



-2-

إلى الأعلى

حناجرُنا

إلى الأعلى

محاجرنا

إلى الأعلى

أمانينا

إلى الأعلى

أغانينا

سنصنع من مشانقنا

ومن صلبان حاضرنا وماضينا

سلالم للغد الموعود

ثم نصيح: يا رضوان!

إفتح بابك الموصود!

سنطلقُ من حناجرنا

ومن شكوى مراثينا

قصائد، كالنبيذ الحلو

تكرع في ملاهينا

وتنشد في الشوارع

في المصانع

في المحاجر

في المزارع

في نوادينا!

سننصب من محاجرنا

مراصد، تكشف الأبعد والأعمق والأروعْ

فلا نقشعْ

سوى الفجرِ

ولا نسمع

سوى النصرِ

فكل تمرد في الأرضْ

يزلزلنا

وكل جميلة في الأرض

تقبِّلُنا

وكل حديقة في الأرض

نأكل حبة منها

وكل قصيدة في الأرض

إذا رقصت نخاصرها

وكل يتيمة في الأرض

إذا نادت نناصرها

سنخرج من معسكرنا

ومنفانا

سنخرج من مخابينا

ويشتمنا أعادينا:

"هلا... همج همُ... عرب"

نعم! عربُ

ولا نخجلْ

ونعرف كيف نمسك قبضة المنجل

وكيف يقاوم الأعزل

ونعرف كيف نبني المصنع العصريَّ

والمنزل...

ومستشفى

ومدرسة

وقنبلة

وصاروخاً

وموسيقى

ونكتب أجمل الأشعار...



صوت:



وماذا بعد؟

سمعنا صوتك المدهون بالفسفور

سمعناه... سمعناهُ

فكيف ستجعل الكلماتُ

أكواخ الدجى... بلَّور

ودربك كله ديجور

وشعبك...

دمعة تبكي زمان النور

وأرضك...

نقش سجاده

على الطرقات مرميَّه

وأنت... بدون زوّاده

وماذا بعد؟ ماذا بعد؟

جميلٌ صوتك المحمول بالريح الشماليَّة

ولكنا سئمناهُ



صوت:



ذليلٌ أنت كالإسفلتْ

ذليل أنت

يا من يحتمي بستارة الضجرِ

غبيٌّ أنت... كالقمرِ

ومصلوب على حجرِ

فدعني أكمل الإنشاد

دعني أحمل الريح الشماليَّة

ودعني أحبس الأعصار في كمي

ودعني أخزن الديناميت في دمي

ذليل أنت كالإسفلتْ

وكالقمرِ...

غبيٌّ أنت!



نشيد بنات طروادة



وداعاً يا ليالي الطهر

يا أسوار طروادة

خرجنا من مخا بينا

إلى أعراس غازينا

لنرقص فوق موت رجال طروادة

سبايا نحن، نعطيهم بكارتنا

وما شاؤوا

لأنهم أشداءُ

ونرقد في مضاجع قاتلي أبطال طروادة



وداعاً يا ليالي الطهر والأحلام

يا ذكرى أحبتنا

سبايا نحن منذ اليوم

من آثار طروادة!



تعليق على النشيد



بلى. أصغيتُ للنغمِ

فلا تُخضع لجناز الردى

قيثارك المشدود...

من قاع المحيط لجبهة القممِ!

لئلا تجهض الأزهار والكبريت

فوق فمِ

سيزهر مرة طلعاً وقنديلاً

وشعراً يصهر الفولاذ...

يرصف شارع النغمِ

لئلاّ تحقن الأجساد

أفيوناً من الألمِ

نعم. أصغيتُ للنغمِ

ولكني، تحرَّيت السنا في الدمع

لا ديمومة الظلمِ

لنحرق ريشة الماضي

ونعزف لحننا الرائد!

فمن عزمي

ومن عزمك

ومن لحمي

ومن لحمك

نعبِّد شارع المستقبل الصاعد



صوت:



وماذا بعد؟ ماذا بعدْ!

وشعبك...

دمعة ترثي زمان المجد

ولحن القيد

يجنِّزنا

ويحفر للذين يقاومون اللحد!



مع المسيح



- ألو...

- أُريد يسوع

- نعم! من أنتَ!

- أنا أحكي من "إسرائيل"

وفي قدمي مسامير... وإكليل

من الأشواك أحمله

فأي سبيل

أختار يا بن اللَّه... أي سبيل؟

أأكفر بالخلاص الحلو

أم أمشي؟

ولو أمشي وأحتضرُ؟



- أقول لكم: أماماً أيها البشرُ



مع محمد



- ألو...

- أريد محمد العربِ

- نعم! من أنت؟

- سجين في بلادي

بلا أرض

بلا علم

بلا بيتِ

رموا أهلي إلى المنفى

وجاؤوا يشترون النار من صوتي

لأخرج من ظلام السجن...

ما أفعلْ؟

- تحدَّ السجن والسجّان

فإن حلاوة الإيمان

تذيب مرارة الحنظلْ!



مع حبقوق



- ألو... هالو!

- أ موجود هنا حبقوق؟

- نعم من أنت؟

أنا يا سيدي عربي

وكانت لي يدٌ تزرع

تراباً سمَّدته يداً وعين أبي

وكانت لي خطى وعباءة...

وعمامة ودفوف

وكانت لي...



- كفى يا ابني!

على قلبي حكايتكم

على قلبي سكاكينُ



بقية النشيد



دعوني أُكمل الإنشاد

فإن هدية الأجداد للأحفاد:

"زرعنا... فاحصدوا!"

والصوت يأتينا سماداً

يغرق الصحراء بالمطرِ

ويُخصب عاقر الشجرِ!

دعوني أُكمل الإنشاد

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:03 PM
ريتا والبندقية
__________________________________________________


بين ريتا وعيوني...بندقية

والذي يعرف ريتا، ينحني

ويصلي

لإله في العيون العسلية!



...وأنا قبَّلت ريتا

عندما كانت صغيرة

وأنا أذكر كيف التصقت

بي، وغطت ساعدي أحلى ضفيرة

وأنا أذكر ريتا



مثلما يذكر عصفورٌ غديره

آه... ريتا

بينما مليون عصفور وصورة

ومواعيد كثيرة

أطلقت ناراً عليها...بندقية



اسم ريتا كان عيداً في فمي

جسم ريتا كان عرساً في دمي

وأنا ضعت بريتا...سنتين

وهي نامت فوق زندي سنتين

وتعاهدنا على أجمل كأس، واحترقنا

في نبيذ الشفتين

وولدنا مرتين!

آه... ريتا

أي شيء ردَّ عن عينيك عينيَّ

سوى إغفاء تين

وغيوم عسلية

قبل هذي البندقية!

كان يا ما كان

يا صمت العشيَّة

قمري هاجر في الصبح بعيداً

في العيون العسلية

والمدينة

كنست كل المغنين، وريتا

بين ريتا وعيوني... بندقية.

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:03 PM
بـطـاقـة هـويـة
__________________________________________________


!سجِّل
أنا عربي
ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ
وأطفالي ثمانيةٌ
وتاسعهُم.. سيأتي بعدَ صيفْ!
فهلْ تغضبْ؟
***
!سجِّلْ
أنا عربي
وأعملُ مع رفاقِ الكدحِ في محجرْ
وأطفالي ثمانيةٌ
أسلُّ لهمْ رغيفَ الخبزِ،
والأثوابَ والدفترْ
من الصخرِ
ولا أتوسَّلُ الصدقاتِ من بابِكْ
ولا أصغرْ
أمامَ بلاطِ أعتابكْ
فهل تغضب؟
***
!سجل
أنا عربي
أنا إسمٌ بلا لقبِ
صبورٌ في بلادٍ كلُّ ما فيها
يعيشُ بفورةِ الغضبِ
جذوري...
قبلَ ميلادِ الزمانِ رستْ
وقبلَ تفتّحِ الحقبِ
وقبلَ السّروِ والزيتونِ
.. وقبلَ ترعرعِ العشبِ
أبي.. من أسرةِ المحراثِ
لا من سادةٍ نجبِ
وجدّي كانَ فلاحاً
بلا حسبٍ.. ولا نسبِ!
يعلّمني شموخَ الشمسِ قبلَ قراءةِ الكتبِ
وبيتي كوخُ ناطورٍ
منَ الأعوادِ والقصبِ
فهل ترضيكَ منزلتي؟
أنا إسمٌ بلا لقبِ!
***
!سجل
أنا عربي
ولونُ الشعرِ.. فحميٌّ
ولونُ العينِ.. بنيٌّ
وميزاتي:
على رأسي عقالٌ فوقَ كوفيّه
وكفّي صلبةٌ كالصخرِ
تخمشُ من يلامسَها
وعنواني:
أنا من قريةٍ عزلاءَ منسيّهْ
شوارعُها بلا أسماء
وكلُّ رجالها في الحقلِ والمحجرْ
فهل تغضبْ؟
***
!سجِّل
أنا عربي
سلبتَ كرومَ أجدادي
وأرضاً كنتُ أفلحُها
أنا وجميعُ أولادي
ولم تتركْ لنا.. ولكلِّ أحفادي
سوى هذي الصخورِ..
فهل ستأخذُها
حكومتكمْ.. كما قيلا؟!! إذن!
سجِّل.. برأسِ الصفحةِ الأولى
أنا لا أكرهُ الناسَ
ولا أسطو على أحدٍ
ولكنّي.. إذا ما جعتُ
آكلُ لحمَ مغتصبي
حذارِ.. حذارِ.. من جوعي
ومن غضبي!!

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:03 PM
وعــاد فـي كـفـن
__________________________________________________


يحكونَ في بلادنا

يحكونَ في شَجَنْ

عن صاحبي الذي مضى

وعادَ في كفنْ

كانَ اسمهُ...

لا تذكروا اسمَه !

خلّوهُ في قلوبنا...

لا تدعوا الكلمه

تضيعُ في الهواءِ كالرماد..

خلّوهُ جرحاً راعفاً.. لا يعرفُ الضمادْ

طريقهُ إليهِ

أخافُ يا أحبتي.. أخافُ يا أيتامْ..

أخافُ أن ننساه في زحمةِ الأسماءْ

أخافُ أن يذوبَ في زوابعِ الشتاء !

أخافُ أن تنامَ في قلوبنا

جراحنا..

أخافُ أن تنامْ

2

العمرُ.. عمرُ برعمٍ لا يذكرُ المطرْ..

لم يبكِ تحتَ شرفةِ القمر

لم يوقفِ الساعاتِ بالسهر

وما تداعتْ عندَ حائطٍ يداه..

ولم تسافرْ خلفَ خيطِ شهوةٍ.. عيناه !

ولم يقبِّلْ حلوةً..

لم يعرفِ الغزلْ

غيرَ أغاني مطربٍ ضيّعهُ الأملْ

ولم يقلْ لحلوةٍ: الله !

إلا مرّتين !

لم تلتفت إليه.. ما أعطتهُ إلا طرفَ عين

كانَ الفتى صغيراً..

فغابَ عن طريقها

ولم يفكّر بالهوى كثيراً..!

3

يحكونَ في بلادنا

يحكونَ في شجنْ

عن صاحبي الذي مضى

وعادَ في كفنْ

ما قالَ حينَ زغردتْ خُطاهُ خلفَ الباب

لأمّه: الوداع !

ما قالَ للأحبابِ.. للأصحاب:

موعدُنا غداً !

ولم يضعْ رسالةً.. كعادةِ المسافرين

تقولُ إني عائدٌ وتسكتُ الظنون

ولم يخطَّ كلمةً..

تضيءُ ليلَ أمه التي..

تخاطبُ السماءَ والأشياء،

تقولُ: يا وسادةَ السرير !

يا حقيبةَ الثياب !

يا ليلُ ! يا نجومُ ! يا إلهُ ! يا سحاب!

أما رأيتم شارداً.. عيناهُ نجمتان؟

يداهُ سلّتانِ من ريحان

وصدرهُ وسادةُ النجومِ والقمرْ

وشعرهُ أرجوحةٌ للرّيحِ والزهرْ!

أما رأيتم شارداً

مسافراً لا يحسنُ السفر؟!

راحَ بلا زوّادةٍ.. من يطعمُ الفتى

إن جاعَ في طريقهِ

من يرحمُ الغريب؟

قلبي عليهِ في غوائلِ الدروبْ

قلبي عليكَ يا فتى.. يا ولداه!

قولوا لها، يا ليلُ! يا نجومُ!

يا دروبُ! يا سحاب!

قولوا لها: لن تحملي الجواب

فالجرحُ فوقَ الدمعِ.. فوقَ الحزنِ والعذاب

لن تحملي.. لن تصبري كثيراً

لأنه..

لأنه ماتَ، ولم يزلْ صغيراً !

4

يا أمَّهُ !

لا تقلعي الدموعَ من جذورها !

للدمعِ يا والدتي جذور،

تخاطبُ المساءَ كلَّ يومٍ

تقولُ: أينَ قافلةُ المساءِ؟

من أينَ تعبرين؟

غصّتْ دروبُ الموتِ.. حينَ سدَّها المسافرون

سُدَّت دروبُ الحزنِ.. لو وقفتِ لحظتينِ

لحظتين!

لتمسحي الجبينَ والعينين

وتحملي من دمعنا تذكار

لمن قضَوا من قبلنا.. أحبابنا المهاجرين

يا أمهُ!

لا تقلعي الدموعَ من جذورها

خلّي ببئرِ القلبِ دمعتين!

فقد يموتُ في غدٍ أبوهُ.. أو أخوهُ

أو صديقهُ أنا

خلّي لنا..

للميّتين في غدٍ لو دمعتين.. دمعتين !

5

يحكونَ في بلادنا عن صاحبي الكثيرا

حرائقُ الرصاصِ في وجناتهِ

وصدره.. ووجهه..

لا تشرحوا الأمورا !

أنا رأيتُ جرحهُ

حدَّقتُ في أبعادهِ كثيرا

"قلبي على أطفالنا"

وكلُّ أمٍّ تحضنُ السريرا !

يا أصدقاءَ الراحلِ البعيد

لا تسألوا: متى يعود؟

لا تسألوا كثيراً

بل اسألوا: متى

يستيقظُ الرجال !?

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:04 PM
محمد (الدرة)


مُحمَّدْ،
يُعَشِّشُ في حِضن والده طائراً خائفاً
مِنْ جحيم السماء: احمني يا أبي
مِنْ الطَيران إلى فوق! إنَّ جناحي
صغير على الريحِ... والضوء أسْوَدْ
* *
مُحمَّدْ،
يريدُ الرجوعَ إلى البيت، مِنْ
دون دَرَّاجة..أو قميص جديد
يريدُ الذهابَ إلى المقعد المدرسيِّ...
الى دَفتر الصَرْف والنَحْو: خُذني
الى بَيْتنا، يا أبي، كي أُعدَّ دُرُوسي
وأكملَ عمري رُوَيْداً رويداً...
على شاطئ البحر، تحتَ النخيلِ
ولا شيء أبْعدَ، لا شيء أبعَدْ
* *
مُحمَّدْ،
يُواجهُ جيشاً، بلا حَجر أو شظايا
كواكب، لم يَنتبه للجدار ليكتُبَ: "حُريتي
لن تموت". فليستْ لَهْ، بَعدُ، حُريَّة
ليدافع عنها. ولا أفُق لحمامة بابلو
بيكاسو. وما زال يُولَدُ، ما زال
يُولدَ في اسم يُحمِّله لَعْنة الإسم. كمْ
مرةً سوف يُولدُ من نفسه وَلداً
ناقصاً بَلداً... ناقصاً موعداً للطفولة؟
أين سيحلَمُ لو جاءهُُ الحلمُ...
والأرضُ جُرْح... ومَعْبدْ؟
* *
مُحمَّدْ،
يرى موتَهُ قادِماً لا محالةَ. لكنَّهُ
يتذكرُ فهداً رآهُ على شاشةِ التلفزيون،
فهداً قوياً يُحاصرُ ظبياً رضيعاً.
وحينَ
دنا مِنهُ شمَّ الحليبَ،
فلم يفترِسهُ.
كأنَّ الحليبَ يُروِّضُ وحشَ الفلاةِ.
اذن، سوفَ انجو - يقول الصبيُّ -
ويبكي: فإنَّ حياتي هُناك مخبأة؟
في خزانةِ أمي، سأنجو... واشهدْ.
* *
مُحمَّدْ،
ملاك؟ فقير؟ على قاب قوسينِ مِنْ
بندقيةِ صيَّادِه البارِدِ الدمِ.
من
ساعة ترصدُ الكاميرا حركاتِ الصبي
الذي يتوحَّدُ في ظلِّه
وجهُهُ، كالضُحى، واضح؟
قلبُه، مثل تُفاحة، واضح؟
وأصابعُه العَشْرُ، كالشمع، واضحة؟
والندى فوق سرواله واضح؟...
كان في وسع صيَّادهِ أن يُفكِّر بالأمرِ
ثانيةً، ويقولَ : سـأتركُهُ ريثما يتهجَّى
فلسطينهُ دون ما خطأ...
سوف أتركُهُ الآن رَهْنَ ضميري
وأقتلُه، في غد، عندما يتمرَّدْ!
* *
مُحمَّدْ،
يَسُوع؟ صغير؟ ينامُ ويحلمُ في
قَلْب أيقونة
صُنِعتْ من نحاس
ومن غُصْن زيتونة
ومن روح شعب تجدَّدْ
* *
مُحمَّدْ،
دَم, زادَ عن حاجةِ الأنبياءِ
إلى ما يُريدون، فاصْعَدْ
الى سِدرة المُنْتَهى
يا مُحمَّدْ!

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:04 PM
حــــالة حصـــار


هنا، عند مُنْحَدَرات التلال، أمام الغروب وفُوَّهَة الوقت،
قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِ،
نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ،
وما يفعل العاطلون عن العمل:
نُرَبِّي الأملْ.

بلادٌ علي أُهْبَةِ الفجر. صرنا أَقلَّ ذكاءً،
لأَنَّا نُحَمْلِقُ في ساعة النصر:
لا لَيْلَ في ليلنا المتلألئ بالمدفعيَّة.
أَعداؤنا يسهرون وأَعداؤنا يُشْعِلون لنا النورَ
في حلكة الأَقبية.

هنا، بعد أَشعار أَيّوبَ لم ننتظر أَحداً...

سيمتدُّ هذا الحصارُ إلي أن نعلِّم أَعداءنا
نماذجَ من شِعْرنا الجاهليّ.

أَلسماءُ رصاصيّةٌ في الضُحى
بُرْتقاليَّةٌ في الليالي. وأَمَّا القلوبُ
فظلَّتْ حياديَّةً مثلَ ورد السياجْ.

هنا، لا أَنا
هنا، يتذكَّرُ آدَمُ صَلْصَالَهُ...

يقولُ على حافَّة الموت:
لم يَبْقَ بي مَوْطِئٌ للخسارةِ:
حُرٌّ أَنا قرب حريتي. وغدي في يدي.
سوف أَدخُلُ عمَّا قليلٍ حياتي،
وأولَدُ حُرّاً بلا أَبَوَيْن،
وأختارُ لاسمي حروفاً من اللازوردْ...

في الحصار، تكونُ الحياةُ هِيَ الوقتُ
بين تذكُّرِ أَوَّلها.
ونسيانِ آخرِها.

هنا، عند مُرْتَفَعات الدُخان، على دَرَج البيت،
لا وَقْتَ للوقت.
نفعلُ ما يفعلُ الصاعدون إلى الله:
ننسي الأَلمْ.

الألمْ
هُوَ: أن لا تعلِّق سيِّدةُ البيت حَبْلَ الغسيل
صباحاً، وأنْ تكتفي بنظافة هذا العَلَمْ.

لا صدىً هوميريٌّ لشيءٍ هنا.
فالأساطيرُ تطرق أبوابنا حين نحتاجها.
لا صدىً هوميريّ لشيء. هنا جنرالٌ
يُنَقِّبُ عن دَوْلَةٍ نائمةْ
تحت أَنقاض طُرْوَادَةَ القادمةْ

يقيسُ الجنودُ المسافةَ بين الوجود وبين العَدَمْ
بمنظار دبّابةٍ...

نقيسُ المسافَةَ ما بين أَجسادنا والقذائفِ بالحاسّة السادسةْ.

أَيُّها الواقفون على العَتَبات ادخُلُوا،
واشربوا معنا القهوةَ العربيَّةَ
غقد تشعرون بأنكمُ بَشَرٌ مثلنا.
أَيها الواقفون على عتبات البيوت!
اُخرجوا من صباحاتنا،
نطمئنَّ إلى أَننا
بَشَرٌ مثلكُمْ!

نَجِدُ الوقتَ للتسليةْ:
نلعبُ النردَ، أَو نَتَصَفّح أَخبارَنا
في جرائدِ أَمسِ الجريحِ،
ونقرأ زاويةَ الحظِّ: في عامِ
أَلفينِ واثنينِ تبتسم الكاميرا
لمواليد بُرْجِ الحصار.

كُلَّما جاءني الأمسُ، قلت له:
ليس موعدُنا اليومَ، فلتبتعدْ
وتعالَ غداً !

أُفكِّر، من دون جدوى:
بماذا يُفَكِّر مَنْ هُوَ مثلي، هُنَاكَ
على قمَّة التلّ، منذ ثلاثةِ آلافِ عامٍ،
وفي هذه اللحظة العابرةْ؟
فتوجعنُي الخاطرةْ
وتنتعشُ الذاكرةْ

عندما تختفي الطائراتُ تطيرُ الحماماتُ،
بيضاءَ بيضاءَ، تغسِلُ خَدَّ السماء
بأجنحةٍ حُرَّةٍ، تستعيدُ البهاءَ وملكيَّةَ
الجوِّ واللَهْو. أَعلى وأَعلى تطيرُ
الحماماتُ، بيضاءَ بيضاءَ. ليت السماءَ
حقيقيّةٌ قال لي رَجَلٌ عابرٌ بين قنبلتين

الوميضُ، البصيرةُ، والبرقُ
قَيْدَ التَشَابُهِ...
عمَّا قليلٍ سأعرفُ إن كان هذا
هو الوحيُ...
أو يعرف الأصدقاءُ الحميمون أنَّ القصيدةَ
مَرَّتْ، وأَوْدَتْ بشاعرها

إلي ناقدٍ: لا تُفسِّر كلامي
بملعَقةِ الشايِ أَو بفخِاخ الطيور!
يحاصرني في المنام كلامي
كلامي الذي لم أَقُلْهُ،
ويكتبني ثم يتركني باحثاً عن بقايا منامي

شَجَرُ السرو، خلف الجنود، مآذنُ تحمي
السماءَ من الانحدار. وخلف سياج الحديد
جنودٌ يبولون ـ تحت حراسة دبَّابة ـ
والنهارُ الخريفيُّ يُكْملُ نُزْهَتَهُ الذهبيَّةَ في
شارعٍ واسعٍ كالكنيسة بعد صلاة الأَحد...

نحبُّ الحياةَ غداً
عندما يَصِلُ الغَدُ سوف نحبُّ الحياة
كما هي، عاديّةً ماكرةْ
رماديّة أَو مُلوَّنةً.. لا قيامةَ فيها ولا آخِرَةْ
وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
فليكن
خفيفاً على القلب والخاصرةْ
فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

قال لي كاتبٌ ساخرٌ:
لو عرفتُ النهاية، منذ البدايةَ،
لم يَبْقَ لي عَمَلٌ في اللٌّغَةْ

إلي قاتلٍ: لو تأمَّلْتَ وَجْهَ الضحيّةْ
وفكَّرتَ، كُنْتَ تذكَّرْتَ أُمَّك في غُرْفَةِ
الغازِ، كُنْتَ تحرَّرتَ من حكمة البندقيَّةْ
وغيَّرتَ رأيك: ما هكذا تُسْتَعادُ الهُويَّةْ

إلى قاتلٍ آخر: لو تَرَكْتَ الجنينَ ثلاثين يوماً،
إِذَاً لتغيَّرتِ الاحتمالاتُ:
قد ينتهي الاحتلالُ ولا يتذكَّرُ ذاك الرضيعُ زمانَ الحصار،
فيكبر طفلاً معافي،
ويدرُسُ في معهدٍ واحد مع إحدى بناتكَ
تارِيخَ آسيا القديمَ.
وقد يقعان معاً في شِباك الغرام.
وقد يُنْجبان اُبنةً (وتكونُ يهوديَّةً بالولادةِ).
ماذا فَعَلْتَ إذاً ؟
صارت ابنتُكَ الآن أَرملةً،
والحفيدةُ صارت يتيمةْ ؟
فماذا فَعَلْتَ بأُسرتكَ الشاردةْ
وكيف أَصَبْتَ ثلاثَ حمائمَ بالطلقة الواحدةْ ؟

لم تكن هذه القافيةْ
ضَرُوريَّةً، لا لضْبطِ النَغَمْ
ولا لاقتصاد الأَلمْ
إنها زائدةْ
كذبابٍ على المائدةْ

الضبابُ ظلامٌ، ظلامٌ كثيفُ البياض
تقشِّرُهُ البرتقالةُ والمرأةُ الواعدة.

الحصارُ هُوَ الانتظار
هُوَ الانتظارُ على سُلَّمٍ مائلٍ وَسَطَ العاصفةْ

وَحيدونَ، نحن وحيدون حتى الثُمالةِ
لولا زياراتُ قَوْسِ قُزَحْ

لنا اخوةٌ خلف هذا المدى.
اخوةٌ طيّبون. يُحبُّوننا. ينظرون إلينا ويبكون.
ثم يقولون في سرِّهم:
ليت هذا الحصارَ هنا علنيٌّ.. ولا يكملون العبارةَ:
لا تتركونا وحيدين، لا تتركونا.

خسائرُنا: من شهيدين حتى ثمانيةٍ كُلَّ يومٍ.
وعَشْرَةُ جرحى.
وعشرون بيتاً.
وخمسون زيتونةً...
بالإضافة للخَلَل البُنْيويّ الذي
سيصيب القصيدةَ والمسرحيَّةَ واللوحة الناقصةْ

في الطريق المُضَاء بقنديل منفي
أَرى خيمةً في مهبِّ الجهاتْ:
الجنوبُ عَصِيٌّ على الريح،
والشرقُ غَرْبٌ تَصوَّفَ،
والغربُ هُدْنَةُ قتلي يَسُكُّون نَقْدَ السلام،
وأَمَّا الشمال، الشمال البعيد
فليس بجغرافيا أَو جِهَةْ
إنه مَجْمَعُ الآلهةْ

قالت امرأة للسحابة: غطِّي حبيبي
فإنَّ ثيابي مُبَلَّلةٌ بدَمِهْ

إذا لم تَكُنْ مَطَراً يا حبيبي
فكُنْ شجراً
مُشْبَعاً بالخُصُوبةِ، كُنْ شَجَرا
وإنْ لم تَكُنْ شجراً يا حبيبي
فكُنْ حجراً
مُشْبعاً بالرُطُوبةِ، كُنْ حَجَرا
وإن لم تَكُنْ حجراً يا حبيبي
فكن قمراً
في منام الحبيبة، كُنْ قَمرا
هكذا قالت امرأةٌ
لابنها في جنازته

أيَّها الساهرون ! أَلم تتعبوا
من مُرَاقبةِ الضوءِ في ملحنا
ومن وَهَج الوَرْدِ في جُرْحنا
أَلم تتعبوا أَيُّها الساهرون ؟

واقفون هنا. قاعدون هنا. دائمون هنا. خالدون هنا.
ولنا هدف واحدٌ واحدٌ واحدٌ: أن نكون.
ومن بعده نحن مُخْتَلِفُونَ على كُلِّ شيء:
علي صُورة العَلَم الوطنيّ (ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخترتَ يا شعبيَ الحيَّ رَمْزَ الحمار البسيط).
ومختلفون علي كلمات النشيد الجديد
(ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخترتَ أُغنيَّةً عن زواج الحمام).
ومختلفون علي واجبات النساء
(ستُحْسِنُ صُنْعاً لو اخْتَرْتَ سيّدةً لرئاسة أَجهزة الأمنِ).
مختلفون على النسبة المئوية، والعامّ والخاص،
مختلفون على كل شيء. لنا هدف واحد: أَن نكون ...
ومن بعده يجدُ الفَرْدُ مُتّسعاً لاختيار الهدفْ.

قال لي في الطريق إلى سجنه:
عندما أَتحرّرُ أَعرفُ أنَّ مديحَ الوطنْ
كهجاء الوطنْ
مِهْنَةٌ مثل باقي المِهَنْ !

قَليلٌ من المُطْلَق الأزرقِ اللا نهائيِّ
يكفي
لتخفيف وَطْأَة هذا الزمانْ
وتنظيف حَمأةِ هذا المكان

على الروح أَن تترجَّلْ
وتمشي على قَدَمَيْها الحريريّتينِ
إلى جانبي، ويداً بيد، هكذا صاحِبَيْن
قديمين يقتسمانِ الرغيفَ القديم
وكأسَ النبيذِ القديم
لنقطع هذا الطريق معاً
ثم تذهب أَيَّامُنا في اتجاهَيْنِ مُخْتَلِفَينْ:
أَنا ما وراءَ الطبيعةِ. أَمَّا هِيَ
فتختار أَن تجلس القرفصاء على صخرة عاليةْ

إلى شاعرٍ: كُلَّما غابَ عنك الغيابْ
تورَّطتَ في عُزْلَة الآلهةْ
فكن ذاتَ موضوعك التائهةْ
و موضوع ذاتكَ. كُنْ حاضراً في الغيابْ

يَجِدُ الوقتَ للسُخْرِيَةْ:
هاتفي لا يرنُّ
ولا جَرَسُ الباب أيضاً يرنُّ
فكيف تيقَّنتِ من أَنني
لم أكن ههنا !

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:05 PM
تتمة /حــــالة حصـــار


يَجدُ الوَقْتَ للأغْنيَةْ:
في انتظارِكِ، لا أستطيعُ انتظارَكِ.
لا أَستطيعُ قراءةَ دوستويفسكي
ولا الاستماعَ إلى أُمِّ كلثوم أَو ماريّا كالاس وغيرهما.
في انتظارك تمشي العقاربُ في ساعةِ اليد نحو اليسار...
إلي زَمَنٍ لا مكانَ لَهُ.
في انتظارك لم أنتظرك، انتظرتُ الأزَلْ.

يَقُولُ لها: أَيّ زهرٍ تُحبِّينَهُ
فتقولُ: القُرُنْفُلُ .. أَسودْ
يقول: إلى أَين تمضين بي، والقرنفل أَسودْ ؟
تقول: إلى بُؤرة الضوءِ في داخلي
وتقولُ: وأَبْعَدَ ... أَبْعدَ ... أَبْعَدْ

سيمتدُّ هذا الحصار إلى أَن يُحِسَّ المحاصِرُ، مثل المُحَاصَر،
أَن الضَجَرْ
صِفَةٌ من صفات البشرْ.

لا أُحبُّكَ، لا أكرهُكْ ـ
قال مُعْتَقَلٌ للمحقّق: قلبي مليء
بما ليس يَعْنيك. قلبي يفيض برائحة المَرْيَميّةِ.
قلبي بريء مضيء مليء،
ولا وقت في القلب للامتحان. بلى،
لا أُحبُّكَ. مَنْ أَنت حتَّى أُحبَّك؟
هل أَنت بعضُ أَنايَ، وموعدُ شاي،
وبُحَّة ناي، وأُغنيّةٌ كي أُحبَّك؟
لكنني أكرهُ الاعتقالَ ولا أَكرهُكْ
هكذا قال مُعْتَقَلٌ للمحقّقِ: عاطفتي لا تَخُصُّكَ.
عاطفتي هي ليلي الخُصُوصيُّ...
ليلي الذي يتحرَّكُ بين الوسائد حُرّاً من الوزن والقافيةْ !

جَلَسْنَا بعيدينَ عن مصائرنا كطيورٍ
تؤثِّثُ أَعشاشها في ثُقُوب التماثيل،
أَو في المداخن، أو في الخيام التي
نُصِبَتْ في طريق الأمير إلي رحلة الصَيّدْ...

على طَلَلي ينبتُ الظلُّ أَخضرَ،
والذئبُ يغفو علي شَعْر شاتي
ويحلُمُ مثلي، ومثلَ الملاكْ
بأنَّ الحياةَ هنا ... لا هناكْ

الأساطير ترفُضُ تَعْديلَ حَبْكَتها
رُبَّما مَسَّها خَلَلٌ طارئٌ
ربما جَنَحَتْ سُفُنٌ نحو يابسةٍ
غيرِ مأهولةٍ،
فأصيبَ الخياليُّ بالواقعيِّ،
ولكنها لا تغيِّرُ حبكتها.
كُلَّما وَجَدَتْ واقعاً لا يُلائمها
عدَّلَتْهُ بجرَّافة.
فالحقيقةُ جاريةُ النصِّ، حَسْناءُ،
بيضاءُ من غير سوء ...

إلي شبه مستشرق: ليكُنْ ما تَظُنُّ.
لنَفْتَرِضِ الآن أَني غبيٌّ، غبيٌّ، غبيٌّ.
ولا أَلعبُ الجولف.
لا أَفهمُ التكنولوجيا،
ولا أَستطيعُ قيادةَ طيّارةٍ!
أَلهذا أَخَذْتَ حياتي لتصنَعَ منها حياتَكَ؟
لو كُنْتَ غيرَكَ، لو كنتُ غيري،
لكُنَّا صديقين يعترفان بحاجتنا للغباء.
أَما للغبيّ، كما لليهوديّ في تاجر البُنْدُقيَّة
قلبٌ، وخبزٌ، وعينان تغرورقان؟

في الحصار، يصير الزمانُ مكاناً
تحجَّرَ في أَبَدِهْ
في الحصار، يصير المكانُ زماناً
تخلَّف عن أَمسه وَغدِهْ

هذه الأرضُ واطئةٌ، عاليةْ
أَو مُقَدَّسَةٌ، زانيةْ
لا نُبالي كثيراً بسحر الصفات
فقد يُصْبِحُ الفرجُ، فَرْجُ السماواتِ،
جغْرافيةْ !

أَلشهيدُ يُحاصرُني كُلَّما عِشْتُ يوماً جديداً
ويسألني: أَين كُنْت ؟ أَعِدْ للقواميس كُلَّ الكلام الذي كُنْتَ أَهْدَيْتَنِيه،
وخفِّفْ عن النائمين طنين الصدى

الشهيدُ يُعَلِّمني: لا جماليَّ خارجَ حريتي.

الشهيدُ يُوَضِّحُ لي: لم أفتِّشْ وراء المدى
عن عذارى الخلود، فإني أُحبُّ الحياةَ
علي الأرض، بين الصُنَوْبرِ والتين،
لكنني ما استطعتُ إليها سبيلاً، ففتَّشْتُ
عنها بآخر ما أملكُ: الدمِ في جَسَدِ اللازوردْ.

الشهيدُ يُحاصِرُني: لا تَسِرْ في الجنازة
إلاّ إذا كُنْتَ تعرفني. لا أُريد مجاملةً
من أَحَدْ.

الشهيد يُحَذِّرُني: لا تُصَدِّقْ زغاريدهُنَّ.
وصدّق أَبي حين ينظر في صورتي باكياً:
كيف بدَّلْتَ أدوارنا يا بُنيّ، وسِرْتَ أَمامي.
أنا أوّلاً، وأنا أوّلاً !

الشهيدُ يُحَاصرني: لم أُغيِّرْ سوى موقعي وأَثاثي الفقيرِ.
وَضَعْتُ غزالاً على مخدعي،
وهلالاً على إصبعي،
كي أُخفِّف من وَجَعي !

سيمتدُّ هذا الحصار ليقنعنا باختيار عبوديّة لا تضرّ، ولكن بحريَّة كاملة!!.

أَن تُقَاوِم يعني: التأكُّدَ من صحّة
القلب والخُصْيَتَيْن، ومن دائكَ المتأصِّلِ:
داءِ الأملْ.

وفي ما تبقَّى من الفجر أَمشي إلى خارجي
وفي ما تبقّى من الليل أسمع وقع الخطي داخلي.

سلامٌ على مَنْ يُشَاطرُني الانتباهَ إلي
نشوة الضوءِ، ضوءِ الفراشةِ، في
ليل هذا النَفَقْ.

سلامٌ على مَنْ يُقَاسمُني قَدَحي
في كثافة ليلٍ يفيض من المقعدين:
سلامٌ على شَبَحي.

إلي قارئ: لا تَثِقْ بالقصيدةِ ـ
بنتِ الغياب. فلا هي حَدْسٌ، ولا
هي فِكْرٌ، ولكنَّها حاسَّةُ الهاويةْ.

إذا مرض الحبُّ عالجتُهُ
بالرياضة والسُخْريةْ
وَبفصْلِ المُغنِّي عن الأغنيةْ

أَصدقائي يُعدُّون لي دائماً حفلةً
للوداع، وقبراً مريحاً يُظَلِّلهُ السنديانُ
وشاهدةً من رخام الزمن
فأسبقهم دائماً في الجنازة:
مَنْ مات.. مَنْ ؟

الحصارُ يُحَوِّلني من مُغَنٍّ الى . . . وَتَرٍ سادس في الكمانْ!

الشهيدةُ بنتُ الشهيدةِ بنتُ الشهيد وأختُ الشهيدِ
وأختُ الشهيدةِ كنَّةُ أمِّ الشهيدِ حفيدةُ جدٍّ شهيد
وجارةُ عمِّ الشهيد الخ ... الخ ..
ولا نبأ يزعج العالَمَ المتمدِّن،
فالزَمَنُ البربريُّ انتهى.
والضحيَّةُ مجهولَةُ الاسم، عاديّةٌ،
والضحيَّةُ ـ مثل الحقيقة ـ نسبيَّةٌ الخ ... الخ ف

هدوءاً، هدوءاً، فإن الجنود يريدون
في هذه الساعة الاستماع إلي الأغنيات
التي استمع الشهداءُ إليها، وظلَّت كرائحة
البُنّ في دمهم، طازجة.

هدنة، هدنة لاختبار التعاليم: هل تصلُحُ الطائراتُ محاريثَ ؟
قلنا لهم: هدنة، هدنة لامتحان النوايا،
فقد يتسرَّبُ شيءٌ من السِلْم للنفس.
عندئذٍ نتباري على حُبِّ أشيائنا بوسائلَ شعريّةٍ.
فأجابوا: ألا تعلمون بأن السلام مع النَفْس
يفتح أبوابَ قلعتنا لِمقَامِ الحجاز أو النَهَوَنْد ؟
فقلنا: وماذا ؟ ... وَبعْد ؟

الكتابةُ جَرْوٌ صغيرٌ يَعَضُّ العَدَمْ
الكتابةُ تجرَحُ من دون دَمْ..

فناجينُ قهوتنا. والعصافيرُ والشَجَرُ الأخضرُ
الأزرقُ الظلِّ. والشمسُ تقفز من حائط
نحو آخرَ مثل الغزالة.
والماءُ في السُحُب اللانهائية الشكل في ما تبقَّي لنا
من سماء. وأشياءُ أخرى مؤجَّلَةُ الذكريات
تدلُّ على أن هذا الصباح قويّ بهيّ،
وأَنَّا ضيوف على الأبديّةْ.

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:05 PM
السجن
_________________________________________________


تغير عنوان بيتي

وموعد أكلي

ومقدار تبغي تغير

ولون ثيابي ووجهي وشكلي

وحتى القمر

عزيز علي هنا

صار أحلى وأكبر

ورائحة الأرض : عطر

وطعم الطبيعة : سكر

كأني على سطح بيتي القديم

ونجم جديد

بعيني تسمر

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:05 PM
عاشق من فلسطين
__________________________________________________



عيونِك شوكةٌ في القلب

توجعني... وأعبدُها

وأحميها من الريحِ

وأُغمدها وراء الليل والأوجاع... أغمدها

فيشعل جُرحُها ضوءَ المصابيحِ

ويجعل حاضري غدُها

أعزَّ عليَّ من روحي

وأنسى، بعد حينٍ، في لقاء العين بالعينِ

بأنّا مرة كنّا، وراءَ الباب، إثنينِ!



كلامُكِ... كان أغنيهْ

وكنت أُحاول الإنشاد

ولكنَّ الشقاء أحاط بالشفة الربيعيَّة

كلامك، كالسنونو، طار من بيتي

فهاجر باب منزلنا، وعتبتنا الخريفيَّه

وراءك، حيث شاء الشوقُ...

وانكسرت مرايانا

فصار الحزن ألفينِ

ولملمنا شظايا الصوت...

لم نتقن سوى مرثيَّة الوطنِ!

سنزرعها معاً في صدر جيتارِ

وفق سطوح نكبتنا، سنعرفها

لأقمارٍ مشوَّهةٍٍ...وأحجارِ

ولكنّي نسيتُ... نسيتُ... يا مجهولةَ الصوتِ:

رحيلك أصدأ الجيتار... أم صمتي؟!



رأيتُك أمسِ في الميناءْ

مسافرة بلا أهل... بلا زادِ

ركضتُ إليكِ كالأيتامُ،

أسأل حكمة الأجداد:

لماذا تُسحبُ البيَّارة الخضراءْ

إلى سجن، إلى منفى، إلى ميناءْ

وتبقى، رغم رحلتها

ورغم روائح الأملاح والأشواق،

تبقى دائماً خضراء؟

وأكتب في مفكرتي:

أُحبُّ البرتقال. وأكرهُ الميناء

وأَردف في مفكرتي:

على الميناء

وقفتُ. وكانت الدنيا عيونَ شتاءْ

وقشر البرتقال لنا. وخلفي كانت الصحراء!



رأيتُكِ في جبال الشوك

راعيةً بلا أغنام

مطارَدةً، وفي الأطلال...

وكنت حديقتي، وأنا غريب الدّار

أدقُّ الباب يا قلبي

على قلبي...

يقرم الباب والشبّاك والإسمنت والأحجار!



رأيتكِ في خوابي الماء والقمحِ

محطَّمةً. رأيتك في مقاهي الليل خادمةً

رأيتك في شعاع الدمع والجرحِ.

وأنتِ الرئة الأخرى بصدري...

أنتِ أنتِ الصوتُ في شفتي...

وأنتِ الماء، أنتِ النار!



رأيتكِ عند باب الكهف... عند النار

مُعَلَّقَةً على حبل الغسيل ثيابَ أيتامك

رأيتك في المواقد... في الشوارع...

في الزرائب... في دمِ الشمسِ

رأيتك في أغاني اليُتم والبؤسِ!

رأيتك ملء ملح البحر والرملِ

وكنتِ جميلة كالأرض... كالأطفال... كالفلِّ

وأُقسم:

من رموش العين سوف أُخيط منديلا

وأنقش فوقه شعراً لعينيكِ

وإسماً حين أسقيه فؤاداً ذاب ترتيلا...

يمدُّ عرائش الأيكِ...

سأكتب جملة أغلى من الشُهَدَاء والقُبَلِ:

"فلسطينيةً كانتِ. ولم تزلِ!"

فتحتُ الباب والشباك في ليل الأعاصيرِ

على قمرٍ تصلَّب في ليالينا

وقلتُ لليلتي: دوري!

وراء الليل والسورِ...

فلي وعد مع الكلمات والنورِ.

وأنتِ حديقتي العذراءُ...

ما دامت أغانينا

سيوفاً حين نشرعها

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:06 PM
عابرون في كلام عابر
_________________________________________________


ايها المارون في الكلمات العابرة
احملوا أسمائكم وانصرفوا
وأسحبوا ساعاتكم من وقتنا ،و أنصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة
و خذوا ما شئتم من صور،كي تعرفوا
انكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من ارضنا سقف السماء
***
ايها المارون بين الكلمات العابرة
منكم السيف - ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار- ومنا لحمنا
منكم دبابة اخرى- ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص..و انصرفوا
وعلينا ،نحن، ان نحرس ورد الشهداء
و علينا ،نحن، ان نحيا كما نحن نشاء
***
ايها المارون بين الكلمات العابرة
كالغبار المر مروا اينما شئتم ولكن
لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
خلنا في ارضنا ما نعمل
و لنا قمح نربيه و نسقيه ندى اجسادنا
:و لنا ما ليس يرضيكم هنا
حجر.. او خجل
فخذوا الماضي،اذا شئتم الىسوق التحف
و اعيدوا الهيكل العظمي للهدهد، ان شئتم
على صحن خزف لناما ليس يرضيكم ،لنا المستقبل ولنا في ارضنا ما نعمل
***
ايها المارون بين الكلمات العابره
كدسوا اوهامكم في حفرة مهجورة ، وانصرفوا
واعيدوا عقرب الوقت الى شرعية العجل المقدس
!او الى توقيت موسيقىمسدس
فلنا ما ليس يرضيكم هنا ، فانصرفوا
ولنا ما ليس فيكم : وطن ينزف و شعبا ينزف
وطنا يصلح للنسيان او للذاكرة
ايها المارون بين الكلمات العابرة
آن ان تنصرفوا
وتقيموا اينما شئتم ولكن لا تقيموا يننا
آن ان تنصرفوا
ولتموتوا اينما شئتم ولكن لا تموتو بيننا
فلنا في ارضنا مانعمل
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الاول
ولنا الحاضر،والحاضر ، والمستقبل
ولنا الدنيا هنا...و الاخرة
فاخرجوا من ارضنا
من برنا ..من بحرنا
من قمحنا ..من ملحنا ..من جرحنا
من كل شيء،واخرجوا
من ذكريات الذاكرة
ايها المارون بين الكلمات العابرة!..

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:06 PM
لديني ... لديني لأعرف
__________________________________________________



لديني ... لديني لأعرف في أي أرضٍ أموتُ

وفي أي أرضٍ سأُبعث حيا



سلامٌ عليكِ وأنتِ تعدِّين نارَ الصَّباح،

سلامٌ عليكِ...سلامٌ عليكِ.

أما آن لي أن أقدِّم بعض الهدايا إليكِ

أما آن لي أن أعودَ إليكِ؟

لِديني لأشرب مِنك حليبَ البلادْ

وأبقى صبياً على ساعديكِ

وأبقى صبياً إلى أبد الآبدين.

أما آن لي أن أُقدِّم بعض الهدايا إليكِ

أما آن لي أن أعود إليكِ؟



أمي! أضعتُ يد يَّا على خَصْرِ امرأةٍ من سراب

أُعانق رملاً أُعانق ظِلاً



رأيتُ كثيراً يا أمي رأيتْ

لديني لأبقى على راحتيكِ

آه، يا أُمي



أحِنُّ إلى خُبزِ صَوْتِكِ أمِّي!

أحِنُّ إليكِ يا أمِّي



أحِنُّ إلى خُبزِ أُمي، وقهوة أُمي، ولمسة أُمي...

وتكبر فيَّ الطفولة يوماً على صدرِ يومٍٍ

وأعشقُ عمري لأني إذا مُتُّ

أخجلُ من دمع أُمي!

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:06 PM
جـواز سـفـر
__________________________________________________


لم يعرفوني في الظلالِ التي

تمتصُّ لوني في جوازِ السفرْ

وكانَ جرحي عندهم معرّضاً

لسائحٍ يعشقُ جمعَ الصور

لم يعرفوني، آه.. لا تتركي

كفّي بلا شمسٍ،

لأنَّ الشجرْ

يعرفني

تعرفُني كلُّ أغاني المطرْ

لا تتركيني شاحباً كالقمرْ !

2

كلُّ العصافير التي لاحقتْ

كفّي على بابِ المطارِ البعيدِ

كلُّ حقولُ القمحِ،

كلُّ السجونِ..

كلُّ القبورِ البيضِ

كلُّ الحدودِ..

كلُّ المناديلِ التي لوَّحتْ

كلُّ العيون

كانتْ معي، لكنّهم

قدْ أسقطوها من جوازِ السفر!

3

عارٍ من الإسم، من الانتماءْ؟

في تربة ربيّتها باليدينْ؟

أيّوب صاحَ اليومَ ملءَ السماء:

لا تجعلوني عبرةً مرّتين!



يا سادتي! يا سادتي الأنبياء

لا تسألوا الأشجارَ عن اسمها

لا تسألوا الوديانَ عن أمها

من جبهتي ينشقُّ سيفُ الضياء

ومن يدي ينبعُ ماءُ النهرْ

كلُّ قلوبِ الناس.. جنسيّتي

فلتسقطوا عنّي جوازَ السفرْ !

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:07 PM
بيروت
__________________________________________________


بيروت يا بيروت

بيروت خيمتنا

بيروت نجمتنا

بيروت يا بيروت



بيروت تفاحة،

والقلب لا يضحك

وحصاننا واحة،

في عالم يهلك

سنرقص الساحة،

ونزوج الليلك



بيروت يا بيروت

بيروت خيمتنا

بيروت نجمتنا

بيروت يا بيروت



لن نترك الخندق

حتى يمر الليل

بيروت للمطلق

وعيوننا للريح



في البدء كان الخلق

والآن في الخندق

ظهرت سمات الحمل



بيروت يا بيروت

بيروت خيمتنا

بيروت نجمتنا

بيروت يا بيروت

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:07 PM
القتيل رقم 18



غابةُ الزيتون كانت مرةً خضراءَ

كانت.. والسماءْ

غابةً زرقاء.. كانت يا حبيبي

ما الذي غيَّرها هذا المساء?

.. .. ..

أوقَفُوا سيارةَ العمال في منعطف الدربِ

وكانوا هادئين

وأدارونا إلى الشرق.. وكانوا هادئين

.. .. ..

كان قلبي مَرَّةً عصفورةً زرقاءَ.. يا عش حبيبي

ومناديلك عندي، كلها بيضاء، كانت يا حبيبي

ما الذي لطّ**ا هذا المساء?

أنا لا أفهم شيئًا يا حبيبي!

.. .. ..

أوقفوا سيارة العمّال في منتصف الدربِ

وكانوا هادئين

وأدارونا إلى الشرق.. وكانوا هادئين

.. .. ..

لكَ مني كلُّ شيء

لكَ ظل لك ضوء

خاتم العرس، وما شئتَ

وحاكورة زيتون وتينِ

وسآتيكَ كما في كل ليلهْ

أدخل الشبّاكَ، في الحلُمِ، وأرمي لَكَ فُلَّه

لا تلمني إن تأخرتُ قليلاً

إنهم قد أوقفوني

غابة الزيتون كانت دائمًا خضراء

كانت يا حبيبي

إن خمسين ضحيَّهْ

جعلتها في الغروب..

بركةً حمراء.. خمسين ضحيَّهْ

يا حبيبي.. لا تلمني..

قتلوني.. قتلوني..

قتلوني..

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:08 PM
الرجل ذو الظل الأخضر
في ذكرى جمال عبد الناصر
__________________________________________________



نعيشُ معكْ

نسير معك

نجوع معك

وحين تموت

نحاول ألاّ نموت معك!

ولكن،

لماذا تموت بعيداً عن الماء

والنيل ملء يديكْ؟

لماذا تموت بعيداً عن البرق

والبرق في شفتيك؟

وأنت وعدت القبائلْ

برحلة صيف من الجاهليةْ

وأنت وعدت السلاسل

بنار الزنود القويةْ

وأنت وعدت المقاتل

بمعركة... ترجع القادسيةْ



نرى صوتك الآن ملاْ الحناجرْ

زوابع

تلو

زوابع...

نرى صدرك الآن متراس ثائر

ولافتة للشوارع

نراك

نراك

نراك...

طويلاً

...كسنبلةٍ في الصعيد

جميلاً

...كمصنع صهر الحديد

وحراً

... كنافذة في قطار بعيد...

ولستَ نبيّاً،

ولكن ظلّكَ أخضر

أتذكر؟

كيف جعلت ملامح وجهي

وكيف جعلت جبيني

وكيف جعلت اغترابي وموتيَ

أخضر

أخضر

أخضر...

أتذكر وجهي القديم؟

لقد كان وجهي يُحنَّط في متحف إنجليزي

ويسقط في الجامع الأمويّ

متى يا رفيقي؟

متى يا عزيزي؟

متى نشتري صيدليةْ

بجرح الحسين... ومجد أُميَّةْ

ونُبعث في سدِّ أسوان خبزاً وماء

ومليون كيلواط من الكهرباء؟

أتذكر؟

كانت حضارتنا بدوياً جميل

يحاول أن يدرس الكيمياء

ويحلم تحت ظلال النخيل

بطائرة... وبعشر نساء

ولست نبيّاً

ولكن ظلَّك أخضر...

نعيش معك

نسير معك

نجوع معك

وحين تموت

نحاول ألا نموت معك

ففوق ضريحك ينبت قمحٌ جديد

وينزل ماء جديد

وأنت ترانا

نسير

نسير

نسير.

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:08 PM
سقوط القمر
__________________________________________________


في البال أُغنيةٌ

يا أُخت،

عن بلدي،

نامي

لأكتبها...



رأيتُ جسمكِ

محمولاً على الزردِ

وكان يرشح ألواناً

فقلتُ لهم:

جسمي هناك

فسدُّوا ساحة البلدِ



كنَا صغيرين،

والأشجار عاليةٌ

وكنتِ أجمل من أُمي

ومن بلدي...



من أين جاؤوا؟

وكرمُ اللوز سيَّجه

أهلي وأهلك

بالأشواك والكبدِ!...



إنّا نفكِّر بالدنيا،

على عجلٍ،

فلا نرى أحداً،

يبكي على أحدٍ.



وكان جسمكِ مسبيّاً

وكان فمي

يلهو بقطرة شهْدٍ

فوق وحل يدي!...



في البال أُغنيةٌ

يا أخت

عن بلدي،

نامي... لأحفرها

وشماً على جسدي.

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:08 PM
ريتا أحبيني
_________________________________________________



في كل أمسية نخبئ في أثينا

قمرا وأغنية ونؤوي ياسمينا

قالت لنا الشرفات

لا منديله يأتي

ولا أشواقه تأتي

ولا الطرقات تحترف الحنينا

نامي ! هنا البوليس منتشر

طليقا في أثينا

في الحلم ينضم الخيال إليك

تبتعدين عني

وتخاصمين الأرض

تشتعلين كالشفق المغني

ويداي في الأغلال

((سنتوري )) بعيد مثل جسمك

في مواويل المغني

ريتا أحبيني ! وموتي في أثينا

مثل عطر الياسمين

لتموت أشواق السجين

الحب ممنوع

هنا الشرطي والقدر العتيق

تتكسر الأصنام إن أعلنت حبك

للعيون السود

قطاع الطريق

يتربصون بكل عاشقة

أثينا . . يا أثينا . . أين مولاتي ؟

على السكين ترقص

جسمها أرض قديمه

: ولحزنها وجهان

وجه يابس يرتد للماضي

ووجه غاص فبي ليل الجريمه

والحب ممنوع

هنا الشرطي ، واليونان عاشقة يتيمه

في الحلم ينضم الخيال إليك

يرتد المغني

عن كل نافذة . ويرتفع الأصيل

عن جسمك المحروق بالأغلال

والشهوات والزمن البخيل

نامي على حلمي .مذاقك لاذع

عيناك ضائعتان في صمتي

وجسمك حافل بالصيف والموت الجميل

في آخر الدنا أضمك

حين تبتعدين ملء المستحيل

ريتا . . أحبيني . . وموتي في أثينا

مثل عطر الياسمين

لتموت أشواق السجين

منفاي : فلاحون معتقلون في لغة الكآبه

منفاي : سجانون منفيون في صوتي

وفي نغم البابة

منفاي : أعياد محنطة . . وشمس في الكتابه

منفاي : عاشقة تعلق ثوب عاشقها

على ذيل السحابه

منفاي : كل خرائط الدنيا

وخاتمة الكآبه

في الحلم شفاف ذراعك

تحته شمس عتيقه

لا لون للموتى ولكني أراهم

مثل أشجار الحديقه

يتنازعون عليك

ضميهم بأذرعة الأساطير التي وضعت حقيقه

لأبرز المنفى وأسند جبهتي

وأتابع البحث الطويل

عن سر أجدادي وأول جثة

كسرت حدود المستحيل

في الحلم شفاف ذراعك

تحته شمس عتيقه

ونسيت نفسي في خطى الإيقاع

ثلثي قابع في السجن

والثلثان في عشب الحديقه

ريتا أحبيني . . وموتي في أثينا

مثل عطر الياسمين

لتموت أشواق السجين

الحزن صار هوية اليونان

واليونان تبحث عن طفولتها

ولا تجد الطفوله

تنهار أعمدة الهياكل

أجمل الفرسان ينتحرون

والعشاق يفترقون

في أوج الأنوثة والرجوله

دعني وحزني أيها الشرطي

منتصف الطريق محطتي

وحبيبتي أحلى قتيله

ماذا تقول ؟

تريد جثتها ؟

لماذا ؟

كي تقدمها لمائدة الخليفه ؟

من قال إنك سيدي ؟

من قال إن الحب ممنوع

وإن الآلهه

في البرلمان؟

وإن رقصتنا العنيفه

خطر على ساعات راحتك القليله

الحزن صار هوية اليونان

واليونان تبحث عن طفولتها

ولا تجد الطفوله

حتى الكآبة صادرتها شرطة اليونان

حتى دمعة العين الكحيله

في الحلم تتسع العيون السود

ترتجف السلاسل

يستقيل الليل

تنطلق القصيدة

بخيالها الأرضي

يدفعها الخيال إلى الأمام . . إلى الأمام

بعنف أجنحة العقيدة

وأراك تبتعدين عني

آه . . تقتربين مني

نحو آلهة جديده

ويداي في الأغلال لكني

أداعب دائما أوتار سنتوري البعيدة

وأثير جسمك

. . تولد اليونان

تنتشر الأغاني

يسترجع الزيتون خضرته

يمر البرق في وطني علانية

ويكتشف الطفولة عاشقان

ريتا . . أحبيني وموتي في أثينا

مثل عطر الياسمين

لتموت أحزان السجين

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:09 PM
أحبك أكثر
__________________________________________________




تَكَبَّرْ…تَكَبَّر!

فمهما يكن من جفاك

ستبقى، بعيني ولحمي، ملاك

وتبقى، كما شاء لي حبنا أن أراك

نسيمك عنبر

وأرضك سكَّر

وإني أحبك… أكثر

يداك خمائلْ

ولكنني لا أغني

ككل البلابلْ

فإن السلاسلْ

تعلمني أن أقاتلْ

أقاتل… أقاتل

لأني أحبك أكثر!



غنائي خناجر وردْ

وصمتي طفولة رعد

وزنبقة من دماء

فؤادي،

وأنت الثرى والسماء

وقلبك أخضر…!

وَجَزْرُ الهوى، فيك، مَدّ

فكيف، إذن، لا أحبك أكثر

وأنت، كما شاء لي حبنا أن أراك:

نسيمك عنبر

وأرضك سكَّر

وقلبك أخضر…!

وإنِّي طفل هواك

على حضنك الحلو

أنمو وأكبر!

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:09 PM
الطبيعة في شعر محمود درويش


بقلم: د. نادي ساري الديك*



امتازت فلسطين عن غيرها من البلدان الاخرى بوجود اربع مناطق مناخية:



المنطقة الجبلية، السهل الساحلي، الاغوار التي تنخفض عن سطح البحر 004 م، والصحراء في الجنوب اذ جعلت هذه المناطق المناخية الاربع الطبيعة متميزة ذات طابع خاص اذ تتوفر الزراعة بأنماطها ونظمها ما يجعل الارض صاحبة سمة معينة، وقد كانت هذه السمة عاملا فاعلا في خلق حالة من الترابط والعلاقة الوثقى بين الانسان وارضه فتأصلت الوشائج بقوة رابطة العاطفة المتبادلة بينهما لقد خلقت تجربة الانسان الفلسطيني الحضارية خلال التاريخ ترابطا فكريا وعاطفيا بين الارض والانسان ذاته، الارض التي هي جزء من الطبيعة، فهي الوطن وهي المبتدى والمنتهى.



تبدو كلمة الطبيعة فضفاضة غامضة اذ تعرضت لكثير من التعريفات والدراسات منذ اقدم العصور ولعل غموض كلمة الطبيعة وايغالها جعل تعريفها صعبا على كثير من الدارسين لاتساع مدلولاتها (ونقصد بكلمة الطبيعة عملية الحركة العضوية بأكملها التي تسير في الكون وهي عملية تشمل الانسان ولكنها لا تكترث بنزواته او تأثراته الذاتية او تغيراته المزاجية).(1)



بهذا التعريف وصف هربت ريد الطبيعة لكن الطبيعة هنا لا تكترث بالانسان واعماله وفنونه فهي تقف منه موقفا سلبيا، فالانسان جزء من الطبيعة لا يستطيع ان ينسلخ عنها او يتجاهلها فالشاعر كالفنان الذي يعيش حياته مع الطبيعة والشعر فن من الفنون فكل انسان يستطيع ان يمنح الحياة صورة ملائمة لمخيلته وعواطفه وخلجاته العامة، ومن خلال الكلمات يستطيع الانسان ان يقيم علاقة بينه وبين الطبيعة فللكلمة صداها، ومقدرتها على خلق عالم ملائم للشاعر فهي مهمة جدا حيث (ان الكلمة بالدرجة الاولى تمنح الشيء الوجود) (2)، فعملية المنح من الكلمة تجعل الطبيعة تسير وفق مخيلة الفنان الذي حاكاها وصورها، فتصوير الطبيعة من الخارج هو اولى مراحل الملامسة او هو اول مستويات الوعي واقدمها والطبيعة ظاهرة معزولة او غير معزولة، لكن بملامسة القشرة يبدأ الاحساس بالظاهرة (ومن ثم تبدأ اولى مراحل الدخول التفاعل وتبدأ العلاقة بين العلة والمعلول الانسان والطبيعة.. فان انعكاس وجود الطبيعة وهو حوار مع الذات الشاعرة وهمومها الاولى التي تجيء المرأة الشريك الاول في مقدمتها) (3).



ان الفيض الحسي والفكري والنفسي لدى الشاعر يجعل الطبيعة الجاثمة الصلبة واشكالها الثابتة وكل شيء فيها، المألوف وغير المألوف في بوتقته الفنية اذ تصبح الطبيعة غير بعيدة عن الانسان ولا يصبح الانسان بعيدا عنها فعملية التفاعل بالفنية الذكية تجعل الطبيعة تعبر عن الانسان بحقيقته لقد استطاع درويش من خلال تلازمه مع الطبيعة الفلسطينية ان يربط بين الطبيعة والانسان الفلسطيني ذلك الرباط الروحي الذي اصبحت الطبيعة معه تعبر بشكل اوبآخر عن هموم الانسان وهذا يعود للرؤية الفكرية والفنية للشاعر ففي وعي الشاعر لا تكون الطبيعة بعيدة جامدة وانما هي ناطقة معبرة عنه اذ هي تكون ايضا متميزة بالنسبة للشاعر جنبا الى جنب فشجرة الزيتون والبيدر والبحر والحجر والقمر والكرم وغير ذلك من مظاهر الطبيعة والبيئة الفلسطينية جبلت في دم الانسان ذاته فمن المعقول ان يحيا الانسان في غير المكان الذي جبلت منه الارض الذي هو جزء منها فالارض الفلسطينية كان لها الدور الاكبر في التحام الشعر الفلسطيني بها وهذا ما عناه درويش (بصخورها ووديانها وجبالها واطلالها.. وانسانها الذي يظل مرفوع الرأس رغم ما ينوء به كتفاه من اعباء.. انسانها الذي قاوم ولا يزال يقاوم الألم والاضطهاد ومحاولات طمس الكيان والكرامة القومية والانسانية) (4).



ولعل الارض جغرافيا ونفسيا من اهم محاور الصراع التي تلح على الانسان العربي اذ ان معظم العرب في فلسطين فلاحون وهذا ما يشكل جوهر المأساة اذ دخل الشاعر غمار وجوهر هذه المأساة واستخرج من كل امكاناته ما يستطيع بحيث جعل من كل ظاهرة ومن كل شجرة رمزا وقيما فذة (التين والزيتون والسنديان والخروب في اعلى الجبال قد تخلى الشعراء الآن عن كثير من قيمها الجمالية المجردة في الطبيعة ليستولد منها قيما فذة جديدة تمثل العراقة والشموخ والالتحام الاوثق والابقى يجسد الارض عبر الوف السنين) (5).



وهنا نقول خلافا لقول يوسف الخطيب ان الشاعر ابقى على فنية القيم الجمالية التي يتخذها الشاعر من خلال الاشجار والطبيعة عامة زيادة على ما قاله انه يتخذها لرموز فذة، فالوعي لدى الشاعر هو الذي يخلق عملية التفاعل ايضا فعملية الكشف عن الجوهر لا تأتي عفويا او من خلال لا شيء (أما المعالجة الاجتماعية فاضافة الوعي الى رصيد الشاعر الذي يتأمل ويحلل ويكشف الرؤيا والعلاقات الحية بين كتل الطبعية وعناصرها من جهة اخرى وبينها وبين ذاتها لا كفرد فحسب بل لمجموعة لها معتقداتها ومشاكلها وفلسفتها الخاصة انه بذلك يبحث عن العلاقة بين ذات الطبيعة وذات الجماعة عن جوهر الوحدة بينها) (6).



فالأرض هي مصدر الرزق الاول والحياة للانسان في كل زمان ومكان اذ عليها يبقى ويبني حضارته ويتحدى كل شيء غريب يحاول طمس تاري** وشخصيته ومن اجل الارض يدفع الانسان كل غال ونفيس، فالأرض والحفاظ عليها يعني وجود الانسان وضياعها يعني عدمية كل شيء فللأرض مكانتها في كل اداب الشعوب ودرويش من الشعراء الفلسطينيين المبرزين الذين يتشبثوا بالارض واعطوها ميزة في شعرهم اذا احاط درويش بهذا الموضوع احاطة تامة وصور الارض وجعلها مغروسة في النفس حتى وصفه الخطيب بأنه حراث الارض الشعري (الا ان من اختص في فلاحة الارض الفلسطينية فلاحة شعرية رائعة ومخصبة هو دون منازع محمود درويش... ان هذا حقله وهو حراثه وناطوره ومغنيه.. انه حقله بمعنى الحقل وليس غابته البرية الصماء ما يريده هو ان يتوحد مع الارض وليس مع الطبيعة مع الارض في اتصالها المباشر بالانسان وفي موتها وبعثها المتجددين على هيئة الانسان وصورته وليس مع الطبيعة بذاتها لأن الارض هي التي تعطي الطبيعة اللون والرائحة والطعم) (7).



فالتمسك بالارض عند درويش موقف انساني وموقف وطني غير معزول عن الامتداد القومي وهذا ما اعطى الشاعر هوية واضحة المعالم بصفته يدافع عن حقوقه التي يرفضها المحتل ويحاول طمسها.



سجل انا عربي



انا اسم بلا لقب



صبور في بلاد كل ما فيها



يعيش بفورة الغضب



جذوري



قبل ميلاد الزمان رست



وقبل تفتح الحقب



وقبل السرو والزيتون



وقبل ترعرع العشب



أبي من اسرة المحراث



لا من سادة نجب



وجدي كان فلاحا (8)



بهذه الحوارية التي لا نسمع فيها الا صوتا واحدا وهو صوت الشاعر، نلمس تشبثا مغروسا في النفس وجوابا لسؤال جاء بصيغة الامر (سجل انا عربي) هو الموقف الثابت من انسان يستجوب وفي ظروف يعرفها الجميع ما هو الا تجسيد لحالة الرفض الجماعية التي يتحلى بها اهل تلك الارض وصوت الشاعر هنا يصرح علانية بالانتماء المفعم بالايمان ...... الانتماء للارض من خلال الانتماء لاسرة المحراث فالمحراث وهو احد ادوات خدمة الارض وشقها والفلاح الذي يستخدم تلك الاداة ليس سوى حالة انتماء تنم عن ذهنية واضحة ثرية فالارتباط بين الفلاح والارض ارتباط عميق الصلة لا يعرفه الا هو ذات الفلاح فهنا نرى ان الاسم واضح جلي الوضوح (انا عربي- اسم بلا لقب) وهذا يعني عدم الزيف بالموقف وكل ما في القصيدة واضح بين فالمفردات لها دلائلها اذ لم يختر بعض المسميات من العبث -(جذور، سرو، زيتون...) فالمتمعن في مفردة الزيتون يجد انها تدل على الاصالة بمعنى آخر انها رمز للوطن للارض لفلسطين على الرغم من ذلك نجد ان شجرة الزيتون زرعت من قبل صاحب الارض، فالانسان اقدم من كل المسميات ومن مفردات الطبيعة والسرو هذه النبتة التي تمتد جذورها افقيا بعكس شجرة الزيتون التي تمتد جذورها عاموديا والتي لا تجد الاعتناء الا في المناطق الحرجية وهي من الاشجار التي لم تعرف الا فيما بعد وكأنه يريد ان يقول انه لا يبقى على الارض إلاّ كل شيء اصيل منتم للارض واصحابها اصلا او ان كنا نجد ان الارض تتقبل كل شيء وافد او غير وافد لكن البقاء والاعتناء دائما للرمز (الزيتون) فالحالة الطارئة سرعان ما تزول وان دامت والثبات هو لصاحب الديمومة الذي يروي تلك الارض لا الدخيل.



ولم يفلسف حلمه



لم يفهم الاشياء



الا كما يحسها.. يشمها



يفهم، قال لي.. ان الوطن



ان احتسي قهوة امي



ان اعود في المساء



سألته والارض



قال:لا اعرفها



ولا احس انها جلدي ونبضي



مثلما يقال في القصائد



وفجأة رأيتها



كما ارى الحانوت..



والشارع... والجرائد (9)



وهنا نرى الشاعر هو السائل وليس المسؤول، ولكنه يجيب على لسان المسؤول الذي هو دخيل على الارض فالشاعر هنا له فلسفته في السؤال وصيغة الجواب، فعدم فلسفة الحلم لدى الانسان الوافد المسؤول من قبل الشاعر حالة لم تخلق من العبث بقدر ما جاء للتدليل على صحة موقفه الذي يخرج الى ان الانسان الوافد على الشيء لا يكون له حلم ولا رؤيا فلسفية مثل الذين يتمتعون بحياة غير حياة الوافد المواطنة الحقيقية ان الارض وهي العامل الفاعل الكبير من الطبيعة موقف الناس منها مختلف فالانسان الذي جبلت الارض من دمه وجبل كيانه من طينها له نمطية معينة متأصلة في فحوى فلسفته الرؤيوية عكس ذلك الانسان الذي يتصف بتلك الصفات اذ تشكل الارض لدى الشاعر كل شيء شكلا وجوهرا فالجلد اول طبقة في جسم الانسان يلامس الطبيعة وهو اول جزء في الجسم يتأثر بالعوامل الجوية وتقلبات الطبيعة من الخارج والنبض هو اول شيء يتجاوب مع شعور الانسان من الداخل في حالتي السلب والايجاب هنا نرى العلاقة القائمة بين الشكل والجوهر اذ كل يتأثر بتأثر الآخر بالنسبة للانسان (الشكل والجوهر) هي معادلة او مشابها لعملية الشكل والمضمون في الادب فتلبس الارض بالانسان والانسان بالارض خال من الزيف فالشاعر يرى ان الارض- الوطن (مفهوما ومعنى) كل شيء في الحياة اما الدخيل (العدو) فيرى انها محسوسات لا غير (الشارع، الحانوت، الجرائد) اي ان الماديات هي التي تسيطر على عقلية (العدو) وهذا يعني عدم الاكتراث بقيت الارض أم زالت لانها خارج المعادلة بالنسبة له.

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:09 PM
كان الخريف يمر في لحمي جنازة برتقال



قمرا نحاسيا تفتته الحجارة والرمال(01)



ان شجرة البرتقال التي تتبوأ المكانة الثانية لدى الانسان الفلسطيني بعد شجرة الزيتون انما هي رمز للساحل الفلسطيني هذه الشجرة التي تتمتع بصفة معينة فخضرتها الدائمة وحمرة التربة التي تغرس فيها وكذلك زرقة البحر هذه الالوان المتآلفة تخلق حالة انطباعية في نفس الانسان وحالة من التوحد والثبات ففصل الخريف الذي هو فصل التعرية (التعرية من كل شيء تكون فيه اكثر مقتنيات الطبيعة من الاشجار قد تهاوت اوراقها وتبدو مجردة للعراء توحي للناظر بحالة من التجرد الطبيعية (تلك الحالة الاختيارية الجبرية) لكنها حالة ليست من السهل ان تتقبلها كل النظم في الكون فعملية التعرية تعني الخلاص من الزيف الملتصق بالاشجار لتبدو تلك الاشياء على حقيقتها كما لو لم يكن لها ساتر لـ (الاوراق) وتشبه تلك العملية عملية (بداية لنهاية ونهاية لبداية). ففي فصل الخريف تبدأ عملية الاستعداد لنهاية من حياة كان لها بدء، والدخول في حياة جديدة اي بدأ الموت من اجل الحياة تلك عملية التجرد والاستعداد لا نلمسها رؤية مجردة في شجرة البرتقال وانما تبقى كما هي اللون الاخضر والثمر البرتقالي على مرآى من الجميع وكأن تلك الشجرة هي وبعض الاشجار الاخرى تتحدى نظم الحياة ببقاء كسوتها عليها لكن الذي يميز بعض اشجار الليمون انها مستديمة في عطائها المثمر فهذه ميزة تتمتع بها تلك الشجرة على الرغم من مرورها بطور (البداية والنهاية) التعرية الا انها لا تتوقف عن العطاء.



وتلك العملية لا تكون محسوسة بالرؤيا واما ملموسة من خلال طرح الثمر، ففصل الخريف بما انه فصل تجرد ووضوح الا انه لم يؤثر على الشاعر سلبا وانما نراه يمر وان كان مروره مرورا جنائزيا الا ان هذا المرور يشبه المرور على البرتقال نفسه (حالة التجدد مع الثبات) وان كانت تلك الحالة من التجدد تسقط شيئا من الشيء المحمول الاوراق للبرتقال (بعض الذكريات للانسان) الا ان تلك الاشياء تكون عاملا مفيدا وفاعلا اذ الارض هي المتلقية فمعها تبدأ عملية التكوين ففي قصيدة (قال المغني) نرى مدلولا جوانيا وظاهريا فما هو جواني تعبر عنه بنية مركبة من نقيض (جواني) مقابل نقيض آخر يجمع سائر ابيات القصيدة



هكذا يكبر الشجر



ويذوب الحصى



رويدا رويدا



من خرير الماء



المغني على طريق المدينة



ساهر اللحن.. كالسهر



قال للريح في ضجر



دمريني ما دمت انت حياتي



مثلما يدّعي القدر



واشربيني تحت انتصار الرفات



هكذا ينزل المطر



يا شفاه المدينة الملعونة



ابعدوا عن سامعيه



والسكارى وقيدوه



ورموه في غرفة التوقيف



شتموا امه وام ابيه



والمغني يتغنى لشعر شمس الخريف



يغمد الجرح بالوتر



المغني على صليب الألم



جرحه ساطح كنجم



قال للناس حوله، كل شيء سوى الندم



هكذا مت واقفا



واقفا مت كالشجر



هكذا يصبح الصليب



منبرا او عصى نغم



ومساميره وتر



هكذا ينزل المطر



هكذا يكبر الشجر (11)



فالمتتبع للقصيدة يرى انها تحتوي على ثلاث ترنيمات هي:



1- ترنيمة الفناء والبقاء في الابيات (1.2،3،4،72،82،92،03،13).



2- ترنيمة الموت وارادة الحياة في الابيات:



(5،6،7،8،9،01،11،21،12،22،32،42،52،62).



3- ترنيمة السلب والايجاب (31،41،51،61،71،81،91،02).



هناك نقيضان يسيران معاً في آن واحد البقاء في (يكبر الشجر) الفناء (يذوب الحصى) واحلال شيء محل شيء آخر اما ذوبان الحصى فدليل على الحياة اذ تتحلل التربة مع بعضها ممتزجة مع الحصى وبتحليل التربة وذوبان الحصى تكون الحياة اذ نخلق تربة جديدة مليئة بالخيرات والمواد المختمرة وهذا تناقض من خلاله يكبر الشجر اذ في البداية تكون الحياة والكبر يعني النماء والنماء يعني النضج والعطاء للخير وايضا ايحاء الكبر ومدلوله يعني الانتهاء والوشوك على الزوال اذ لكل شيء بداية ونهاية وكذلك الذوبان للحصى اذ يعطي مدلولا بدائيا اوله الاندثار الذي تبدأ بعده الحياة فالذوبان يعني التحلل والتحلل يعني الاتحاد مع عناصر جديدة وتكوين شيء جديد يعني الحياة والحياة هنا تأتي رويدا رويدا اذ تأتي على دفعات والدفعات تكون مسترسلة كما هو خرير الماء.



والمغني الذي يعزف بالاوتار يسهر الليالي من اجل البقاء ومن اجل ارادة الموت ايضا فالحياة تتمثل في بزوغ الفجر وبزوغ الفجر يعني الحياة الجديدة ويعني عطاء جديدا متجددا بتجدد الزمن والوقت، فها هنا تكمن ارادة الحياة عند الشاعر وكذلك ارادة الموت والتضحية والفناء من اجل الآخرين موجودة عنده ايضا ويطلبها المغني على صيغة الامر (دمرني ما دمت انت حياتي) فتدميره هنا يعني حبه للتضحية (واشربني تحت انتصار الرفات) (هكذا ينزل المطر) والمطر يعني الانبعاث من جديد فظاهرة حب الموت من اجل البقاء والاسرار موجودة في نفسية الشاعر فالوقوف على ابواب المدينة ومسيرة النهر تعني ان الشاعر يتقدم ويتطور ويستقبل الامل والفرح مقابل التضحية والبذل والعطاء.


وهكذا نرى معاملة العدو للانسان المضطهد الذي نراه في شخصية المغني حيث القيد والسجن والحرمان والتشاؤم التي ليس لها حدود (عذاب نفسي جسدي) اذاً هذه العلاقة سلبية بين الانسان والعدو المضطهد للحقوق.



وثبات الانسان وتغنيه بشمس الخريف او مكوثه تحتها يظهر لنا اياها في شكل حقيقي غير مزيفة ففصل الخريف كما اشرنا هو فصل التجريد واظهار الحقيقية التي لا زيف فيها.



واصرار المغني المقاتل المسجون المعتقل على ان يسلي نفسه ويتحدى عدوه بأن يغني ويضمد جرحه بوساطة اوتار العزف التي تعني الامل والطمأنينة على الرغم من الالم النابع من داخله فهنا تكمن شاعرية الشاعر الانسان حيث صموده وعطاؤه وعدم المبالاة التي يوليها لجراحه بحيث لا يتوجع ولا يظهر الالم امام عدوه، فالشاعر نقيض مع جلاده كاتم حريته.



فالقوة الجسدية للانسان هي مساعد فعال على اكتشاف وابتكار العلاقة والتشابه بين الاشياء اذا لم يستطع المرء ان يدرك هذه الاشياء بمنطقه وعقله ففي بعض الاشعار نرى ان درويش يزاوج بين صورة المرأة وصورة الارض لكي يدخل لكل هدف فهذه المزاوجة لا تتأتى من العبث فكا يقول آرنست فيشر (ووعي الفنان بعاطفة المرأة واستقاؤه من ينابيعها دليل على نضج عاطفته الانسانية ووعيه العام وهذا كفيل بوضع صورة المرأة في اطارها الانساني الصحيح وابراز الدور الطليعي الحق الذي يجب ان تؤديه المرأة في الفن والحياة لان الحب وهو اشد المشاعر ذاتية وهو ايضا اكثر الغرائز شمولا وهو غريزة حفظ النوع) (21).



ففي مثل هذه المزاوجة بين صورة الارض والمرأة وهذه المزاوجة لا تتأتى لوجود العلاقة الحسية بل تنبع من المعاني النفسية التي يتركها ويخلقها مثل هذا الوصف والافتراض.

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:10 PM
تتمة /الطبيعة في شعر محمود درويش


اذا مرت على وجهي



انامل شعرك المبتل بالرمل



سأنهي لعبتي- انهي



وامضي نحو منزلنا القديم



على خطى اهلي



واهتف يا حجارة بيتنا! صلي!



اذا سقطت على عيني



سحابة دمعة كانت تلف عيونك السوداء



سأحمل كل ما في الارض من حزني صليبا يكبر الشهداء



عليه، وتصغر الدنيا، ويسقي دمع عينيك



رمال قصائد الاطفال والشعراء (31)



هنا نلمس حوارا بين شخصين الشاعر هو المتحدث والمرأة المخاطبة فهنا يمكننا ان نلمح مستويين من الدلالة كلاهما مقصود كما يبدو فالمستوى الظاهري هو الدلالة المباشرة التي يمكن ان تأخذ معناها من خلال معنى القصيدة الظاهري.



او من خلال السياق العام فالمستوى الاول اذا كان المقصود من الخطاب فيه امرأة حقيقية اما الدلالة الاخرى الموحية وهي المعنى الرمزي الذي نلمحه حينما تصبح تلك المعشوقة هي الارض هذه المحبوبة مثل كل الحبيبات تخلد حالة شعورية خاصة عندما يلمسها حبيبها وهذا امر مألوف بين المحبين اما المستوى الثاني وهو دلالة الرمز فتبدو عندما تتحول تلك المحبوبة المخاطبة الى صورة الارض اذ هي الدافع الى عمل الكثير ان رؤيا الشاعر في خلق مثل هذا المستوى الدلالي الرمزي هي التي اوحت لنا فضلا عن الرؤيا الخاصة للقارىء بأنه يرمز الى تلك المرأة بالارض اذ من خلال ملامسته لشعرها ترى الروح قد توثبت عنده، فهنا يقدم لنا الشاعر مستويين من التعبير المباشر وغير المباشر اذ نراه يزاوج في شعره بينهما فتظهر فكرة الرمز تارة وتختفي تارة اخرى فينموا المعنى المباشر نموا داخليا طبيعيا لان المستوى الحرفي او الظاهر لا يسخر بطريقة مصطنعة واضحة للتعبير عن معنى آخر المعنى الثاني ينمو نموا باطنيا من المعنى الاول ونستطيع ان نلخص الموقف ان عملية تكوين المعنى او الرمز ليست هي عملية الانابة يجب ان نشعر ان المستوى الاول هام وضروري وانه احسن طريقة للتعبير من المستوى الثاني والعقل يعكس على هذا المستوى الاول اذا هو اراد ان يتمثل كل ما سواه ولذلك يجب ان يتعانق الاثنان) (41).



ها هنا نلمس ان عملية التجاوب النفسي ما بين صفات الارض والمرأة هي التي جعلت الشاعر يعمد الى تلك الخصوصيات الاقترانية المتداخلة مع بعضها من صفات الموصوف فقرائن (علامات) المرأة متداخلة مع قرائن (علامات) الارض لتطبع في النفس حالة خاصة وميزة معينة ليس من السهل ان نجدها في مسميات اخرى لذلك كان من السهل على موضوع الارض ان يدخل من خلال المرأة وموضوع المرأة من خلال الارض وتزداد صلة الطبيعة الارض بالتغلغل داخل الانسان وبالتأصل اذ قرنها الشاعر بالمرأة، وكذلك المرأة اذا اقترنت بالارض من خلال وصفها فالعلاقة ما بين الانسان والطبيعة علاقة حميمة والمرأة جزء من الطبيعة وهي اجمل رمز واكثر تماسكا من غيره



اجدد يوما مضى



لاحبك يوما وامضي



وما كان حبا



لأن ذراعي اقصر من جبل لا اراه



واكمل هذا العناق البدائي، اصعد هذا الا له الصغير وما كان يوما



لأن فراش الحقول البعيدة ساعة حائط (51)



هنا نراه يعود ويقرن صورة المرأة باحدى مقتنيات الطبيعة (الارض) ليخلق هناك حاجزا ليحول دون تحقيق ما يصبو اليه وهو مواصلة العناق لان الجبال تعوق ذلك والجبل ما هو الا رمز من رموز الارض فالارض او المرأة تتشكل علاقاتهما مع الشاعر وتكون علاقة حميمة لكن هذه العلاقة استلابية اذا الموانع الكثيرة (القهر، البعد، الطغيان) التي رمز لها الشاعر بالجبل تسيطر على تحركات الانسان وتمنعه من ان يواصل او يحصل على ما يريد، فالجبل، الطريق، الرحيل الحروب كل هذه مسميات في الطبيعة نجد بعضها كثير التداول في المعجم الشعري للشاعر فبعض المسميات تترك اثرا في نفس الشاعر سلبا كان هذا الاثر اما ايجابا.



الآن بحر



الآن بحر كله بحر



ومن لا بر له



لا بحر له



والبحر صورتنا



فلا تذهب تماماً



هي هجرة اخرى



فلا تذهب تماما (61)



فلفظة البحر تتردد كثيرا في بعض قصائد درويش اكثر من اية لفظة اخرى خاصة قصائده التي قالها بعد غزو بيروت عام (2891) وهنا من حقنا ان نتساءل ما رمز البحر عند درويش هنا؟ هل هو رمز للعدو، للهجرة، للطغيان، هو رمز للثورة للعطاء اذ من خلال هذا الرمز يكون سعيه الى كشف وفضح الحقيقة الجماعية للشعب فالبحر بمدلوله الرمزي عظيم سواء اكانت هذه العظمة سلبية ام ايجابية فالرحيل الذي لا قاه الفلسطينيون عبر البحر كما يبدو لنا كان له الصدى الكبير في نفسية الشاعر وعطائه الفني (فعملية الرمز هنا نابعة مما يرمز اليه او هو بالاحرى لا قيمة له مطلقا الا بما ما يبرهن على الفكرة ويؤكدها... ان الرمز الفني تركيب لفظي اساسه الايحاء بما يستعصي على التحديد والتقرير وان اهمية الرمز في صورته الادبية بقدر ما هي في الرمز) (71).



فهنا نملك القول ان مجموعة معينة من الالفاظ تطغى على عمل ادبي ينتظمها ترابط تداخلي معين او علاقة داخلية معينة تشكل الجوهر الاعمق لذات الشاعر او نفسية الشاعر وتصلح نوافذ تطل من خلالها على قيعان روحه فالعلاقة بين الشاعر والبيئة التي يعيش فيها وان شخصها في شعره واعطاها من روحه التعبيرية لا تكون دائما ايجابية وانما تتأرجح بين السلبي والايجاب تبعا لما يمر به الشاعر من حالة نفسية وانطباعية عن البيئة التي يحيا فيها وهذا هو ما يدفع الشاعر الى ان يفتت الصورة المرئية التي يراها ولكن الشاعر يقف في بعض الاحيان كما اسلفنا موقف الغريب الحزين من البيئة التي رآها واعتاد عليها، على الرغم من التصاقه بها، فمن خلال قصيدة (الجرح القديم) نحس بالانهزامية لدى الشاعر في مطلع القصيدة لكنه سرعان ما يلتحم بالبيئة التي هو جزء منها على الرغم مما نحسه فيها ونلمسه.



واقف تحت الشبابيك



على الشارع واقف



درجات السلم المهجور لا تعرف خطوي



لا ولا الشباك عارف



من يد النخلة اصطاد سحابة



عندما تسقط في حلقي ذبابة



وعلى انقاض انسانيتي



تعبر الشمس واقدام العواصف



واقف تحت الشبابيك العتيقة



من يدي يهرب دوري وازهار حديقة



اسأليني كم من العمر مضى حتى تلاقى



كل هذا اللون والموت تلاقى بدقيقة



وأنا اجتاز سردابا من البخور



والفلفل والصوت النحاسي



يبدو الشاعر من خلال هذا المطلع حزينا غريبا يشعر بالغربة والحزن على الرغم من ان البيئة بيئته لكن علامات اليأس والضعف تبدو واضحة من خلال عزلته لفقدانه الشيء الكثير نتيجة للوضع الذي تعيشه البيئة والمنطقة بأسرها فالتدفق العاطفي والشعوري والانساني والتعجب المبني على الاستغراب والقلق النفسي والحزن مما هو فيه من عذاب وغربة وعلى الرغم من ذلك نرى الشاعر يستهدي ويعود الى رشده وصوابه من خلال المدينة وعلامتها باسواقها والعبق الذي تتركه الاسواق والطرقات التي تسمح وغير ذلك من الامور التي استعار بها، فالنحاس والفلفل والسراديب القديمة المعبرة كلها كانت عبرة لها.

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:10 PM
تتمة /الطبيعة في شعر محمود درويش


ايها القلب الذي يحرم من شمس النهار/ ومن الازهار والعيد كفانا



علمونا ان نصون الحب بالكره/ وان نكسو ندى الورد... غبار



هنا نلمس ان صوت الوعي وصوت العقل بدأ يعيد انفاسه الا انه يتكامل في العاطفة استمرارا مع الاسطر السابقة.



ايها الصوت الذي رفرف في لحمي



عصافير الحب



علمونا ان نغني ونحب كل ما يطلعه الحقل من العشب



من النحل وما يتركه الصيف على اطلال دار



علمونا ان نغني ونداري حبنا الوحشي



كي لا يصبح الترنيم بالحب مملا.



عندما تنفجر الريح بجلدي



سأسمي كل شيء باسمه



وادق الحزن والليل بقيدي



يا شبابيكي القديمة. (81)



تبدو استجابة الوجدان لصوت العقل واضحة هنا اذا انتهى الشاعر الى الاستعداد بالانتماء بدل الغربة التي لمسناها واحسسناها بها في بداية القصيدة وفي هذه القصيدة نرى الصور الداخلية تصارع الصور الخارجية وهذا يتأتى من كونه تعبيرا عن الصراع النفسي فالعواطف مكثفة والتأمل في العاطفة ادى الى احداث تحولات في الموقف الشعري وهكذا نجد السمات العامة للطبيعة ولبيئة الشاعر دفقا خاصا في نفسيته ونفسية المتلقي ايضا لكل شيء مدلوله الذي يحمله ويمكن للطبيعة ان تلعب دورا كبيرا في بناء القصيدة بمعنى انها تكون ركنا اساسيا من القصيدة وبنيتها وتكون الطبية هي الاساس الذي يقيم عليه الشاعر بناء قصيدته وهذا واضح عند بعض الشعراء الذين اعطوا الطبيعة لونا خاصا واهمية كبيرة اذ يلونونها بتلوينهم النفسي ويصورونها تصويرا دقيقا غير ذاك التصوير الذي نلمسه عند بعض الشعراء حين يتعامل مع الطبيعة من خلال ما تراه العين وانما نراه يتعامل مع مفردات الطبيعة تعاملا فنيا ينم عن تفاعل متكامل غير منقوص معها، وبعبارة اخرى فالطبيعة تبدو وكأنها تشكل حالة مثلى لا يرى غيرها ومن خلال تلك الرؤية تنبع الحالة الانفعالية الحقيقية ومن ثم تبدأ حالة العطاء وهذا ما نلمسه عند بعض شعراء المهجر ورواد المدرسة الرومانسية في الشعر اولئك الذين انتهجوا هذا النهج ففي اشعارهم نرى الطبيعة محورا مهما في بناء القصيدة حتى اذا نحيت صورة الطبيعة من قصائدهم انعدم وجود القصيدة مثل هؤلاء كثيرا ما يخلق صورة الحياة من خلال الطبيعة المجردة او يخلقون وجوها عدة للشيء من خلال الغوص في اعماق الطبيعة مثل هذه الحالة لا نلمسها عند درويش وهي ان تكون الطبيعة اساس بناء القصيدة او بمعنى آخر تكون هي (الكل) في قصيدته ففي تلك البنية الكلية لا نجدها عند درويش وانما نجد المغزى يلوح وراء المفردات التي تكون الطبيعة هي المقصودة فيها.



انا يوسف يا ابي، يا ابي اخوتي لا يحبونني، لا يريدونني بينهم يا



ابي يعتدون علي، ويرمونني بالحصى والكلام، يريدونني ان اموت لكي



يمنحوني، وهم اوصدوا باب بيتك دوني، وهم طرودني من الحقل



هم سمموا عنبي يا ابي، وهم حطموا لعبي يا ابي، حين مر النسيم ولاعب



شعري غاروا وثاروا علي وثاروا عليك، فماذا صنعت لهم يا ابي



الفراشات حطت على كتفي ومالت على السنابل



والطير حلق فوق يدي فماذا فعلت انا يا ابي، ولماذا انا؟



انت سميتني يوسفا وهم اوقعوني في الجب، واتهموا الذئب،



والذئب ارحم من اخوتي، ابت



هل جنيت على احد عندما قلت اني



رأيت احد عشر كوكبا والشمس



والقمر رأيتهم لي ساجدين (91)



فلو تتبعنا تلك الاسطر الشعرية لوجدنا مفردات استيقت من الطبيعة ولكل مفردة مدلول خاص بها (حصى، باب، بيت، حقل، عنب، سم، لقب، نسيم، شعر، فراشات، كتف، سنابل، طير، يد جب، ذئب، اخوة، كوكب، شمس، قمر) فهنا نجد عشرين مفردة ولكل مفردة معنى ومغزى في الطبيعة يبدو من خلال السياق العام للقصيدة فالعلاقة بين يوسف واخوته علاقة استلابية سلبية غير ايجابية اذ ظاهرة العداء واضحة جلية فيوسف صاحب (الصورة) البريئة يكن الود لاخوته وهم يناقضون تلك العلاقة فيكنون العداء المطلق ويحاولون قتله (فأوقعوه في قعر البئر) واتهموا الذئب بدمه فالذئب يحمل صورة الافتراس والعداء لجميع الحيوانات اذ لا يكتفي بجزء من الفريسة بديلا عنها كلها فالذئب عدو يوسف ولاخوته لكن ذلك العداء تناساه الاخوة واصبح ركيزة ذريعة من اجل خلاصهم من يوسف فأدى بهم ذلك الى صنيعهم المشؤوم مما حمل الضحية يوسف على التسليم بأن الذئب بشراسته وشرهه ارحم من اخوته وهذا الكره بين الضدين تقابله علاقة الوئام بين الأب ويوسف وهي العلاقة التي خلقت حالة الثورة المبتناة على الحقد والضغينة التي عاشها اخوة يوسف، فصورة يوسف والسنابل تتمايل متكئة عليها والفراشات التي تحط على كتفه، تدلل على الوئام بين الموصوف والطبيعة وعدم الوئام بين الاعداء (الاخوة) والطبيعة اذ يحاولون قتل كل شيء جميل مفيد وتحطيم اللُّعَب، وتسميم العنب، وقتل يوسف الذي تستأنس به السنابل والفراشات والطيور ونسمات الهواء التي تمر على جسده بالهوينا (حين مر النسيم ولاعب شعري) هذه الصفات حاولوا قتلها بواسطة العدو المتكامل - عدو الجميع الذئب). وعلى الرغم من مستويي العلاقة مع الطبيعة (سلبي، ايجابي) فاننا اذا ما اعدنا النظر في القصيدة من جديد سنرى ان الشاعر لا يريد الطبيعة من خلال ذكر بعض مفرداتها بل يريد اثبات شيء آخر من خلال تلفظه بتلك المفردات فها هنا نجد ان ذكر مفردات الطبيعة تمثل حالة تعبيرية يريدها الشاعر وهي تبيان حالة الضياع التي يحياها اخوة يوسف وحالة الامل التي يعيشها يوسف اذا جاز لنا ذلك، فالشاعر لا يريد الطبيعة بعينها ونستطيع ان نتخلص من بعض المفردات ونضع مفردات غيرها في تلك القصدة ويبقى المعنى واضحا سليما لا تهتز صورته وان كنا سنفقد جرسا وايقاعا موسيقيا من خلال استبدال مفردة بمفردة لان لكل مفردة ايحاءاً وجرسا خاصا مختلفا عن الايحاء الناتج عن نسج مفردة من المفردات الجديدة مع غيرها من المفردات فهنا نجد ان الطبيعة او مفردات الطبيعة ليست ركيزة اساسية في بناء القصيدة.



درويش لا نعدّه في تلك القصائد التي تجنح نحو الطبيعة ليستاق رموزه منه بل نجد هذه الحالة الايقاعية والسلاسة في التعبير والغنائية الرقراقة .... بها مفرداته الشعرية وقلة من الشعراء الفلسطينيين يتمتعون بهذه الخصوصية

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:11 PM
تتمة /الطبيعة في شعر محمود درويش


ساحل يلتف كالافعى على اجراس خصر الراقصة



وملوك توجوا البحر باكليل الزبد



ايَّ شيء ينتهي في هذه اللحظة في هذا الجسد


اي شيء يبتدى (02)


ويقول:

وعلى حبل الزغاريد يلاقي فاطمة

وتغنى لهما

كل اشجار المنافي

ومناديل الحداد الناعمة

ذبل العاشق عينيه

واعطى يده السمراء للحناء/ والقطن النسائي المقدس (12).

فالطبيعة المجردة منتفية في اشعار درويش اذ لا تهمه مجردات الطبيعة ولا يعمد الى وصف حالة التجريد فيها لا كما هي ولا كما هو يريدها ان تكون لوصفها كفنان ملتصق بها وانما يسخرها لما يراه مناسبا لخلق حالة اما انفعالية او تعبيرية علما ان الطبيعة عند درويش بحالة معنية ان كانت هذه الحالة ذاتية تعبيرية او موضوعية بمعنى ان الاثر الخارجي على الذات يظل حاضرا وان كنا لا نستطيع ان نمايز بسهولة بين ما هو خاص وما هو عام في اشعاره من هنا نستطيع ان نقول ان ذات الشاعر (الأنا) صهرت مع هموم الشعب لذا نجد ان العامل السياسي هو الدافع القوي الذي يؤثر في صيرورة القصيدة لدى درويش وفي جنوحه نحو الطبيعة كما نرى انه يمعن بالتحري عن ذاته المفقودة من خلال اشعاره التي يريد من خلالها خلق حالة معينة الا وهي الحياة من خلال وطن ذي طبيعة معينة والطبيعة سخية عليه بمعنى اننا نرى صورها الطبيعية في يده وانه يستطيع ان يخلق حالات شتى يريدها وان كانت تلك الحالات تعبيرية ولم يتول الطبيعة بالتعليل والتحليل والمقارنة كما فعل اهل الشعر المهجري والرمانسيون.



صديقي، اخي، يا حبيبي الاخير اما كان من حقنا ان نسير



على شارع من تراب تفرع من موجة متربة



وسافر شرقا الى الهند

سافر غربا الى قرطبة

اما كان من حقنا ان ننام ككل القطط

على ظل حائط



اما كان من حقنا ان نطير ككل الطيور ككل الطيور الى تينة متربة (22)

فهذه المعادلة الواضحة بين درويش وبعض مفردات الطبيعة التي نرى من خلالها الطيور طليقة تغدو وتعود بحيرة تامة وتأخذ ما تشاء مع الحيوانات الاخرى (اليفة- وغير اليف) هذه الرؤية التي جعلته يقارن بين وضع الانسان المحروم من كل اللمسات التي يتمناها او يتمتع بها ابسط مخلوق من تلك الحيوانات التي تتميز بحيرة تامة وهو ما اخذ بالشاعر الى ذكر الارض وقرائنها (تراب، غبار، شارع، حائط... هذا الاحساس بالحرمان هو الدافع الاساس لخلق مثل هذه الصور.

فالعامل الانفعالي الجواني العاطفي (الحرمان الاجتماعي) بكل قرائنه هو الذي ساعد درويش للتعبير عن حالته بمثل هذا القول اما كان من حقنا ان نطير ككل الطيور الى تينة متربة هذا الحنين الجارف الى خلق كينونة نجده دائما واضحا جليا ببساطته وصدقه وهو ما جاء على صيغة سؤال تهكمي والتمني لان غير الطبيعة هو المقصود كما ان اللجوء الى الطبيعة عند درويش لم يأت من العبث ولا من حالة فراغ (ذهني- ايجابي) وذلك لان الطبيعة بمفرداتها ومدلولاتها تستطيع ان تستثمر من قبل الشاعر وتسخر لايصال فكرته التي يريد هذا ان لم يرد الطبيعة بحد ذاتها بل الرمز الذي تؤديه الطبيعة دائما لا يأتي من العبث وانما يخلق من خلال عملية التفاعل بين ذات الشاعر والطبيعة هذا التفاعل يمكن ان يكون حقيقيا بمعنى حبا للطبيعة وذاتها او ان يكون تعبيريا بمعنى يريد الشاعر الحالة الرمزية التعبيرية للطبيعة ليعبر من خلالها عما يجول في مكنوناته من افكار وقيم يريد توصيلها للناس هذا من ناحية ترابط الطرف الاول من المعادلة الا وهو الشاعر مع الطبيعة كما نرى الطبيعة قريبة في كل الاحوال من الطرف الثاني (المتلقي) اذ تكون عاملا ايجابيا اذ سهلت مهمة التوصيل التي يريدها الشاعر للمتلقي، عندما يخلق الشاعر حالة ابتهاج لدى الانسان حين يعمد للطبيعة ويمكن تكون الحالة سلبية مع الطبيعة من حيث الموضوع المطروق من قبل...... فعلى الرغم من ذلك يبقى للطبيعة لدى قطبي المعادلة (الشاعر- المتلقي) وقع خاص، فبعض الشعراء يعمد للطبيعة يلونها بألوانه ويصورها بصوره كما يشاء اذا اراد الطبيعة بذاتها لكن اذا كانت الحالة الانفعالية هي الرابط بين الطبيعة والشاعر فان الشاعر انما يريد الرمز وما بعده في هذه الحالة.

يفتش كفي ثانية فيصادر حيفا التي

هربت سنبلة

ويا اهل الكرمل

الآن تقرع اجراس كل الكنائس

وتعلن ان مماتي المؤقت لا ينتهي

دائما، او ينتهي مرة

ايها الكرمل، الآن تأت اليك العصافير من ورق

كنت لا افرق بين الحصى والعصافير

والآن بعث المسيح يؤجل ثانية

كأن الاحبة دائرة من طباشير

قابلة للفناء، وقابلة للبقاء

وها نحن نحمل ميلادنا مثلما تحمل المرأة العاقر الحلما (32).

هنا ترتبط الطبيعة بحالة معينة يمر بها الشاعر وهذه الحالة كما نراها حالة ملازمة له ألا وهي الشعور بالغربة اذ نلمس الاحساس المفرط بالغربة وهذا الاحساس وصل الى حالة العقم والضياع (كأن الاحبة دائرة من طباشير) (وها نحن نحمل ميلادنا مثلما تحمل المرأة العاقر الحلما)فهذه المداخلة ما بين الصور والذكريات هي التي تجعلنا نحدس او نلمس من خلالها ان الطبيعة عند درويش مرتبطة بحالة انفعالية وهذه الحالة الانفعالية لا تجعل من الرمز الطبيعي حالة معقدة بمعنى انه يصعب الوصول الى فهم مبتغى الشاعر من خلال رمزه للطبيعة او اعتماده على صور لمفردات من الطبيعة تؤدي تلك الحالة (الانفعالية) الى خلق حالة عن الشاعر يعمد الى ايجاد صور ورموز مركبة من خلال نسجه مفردات يصعب فهمها او التغلغل في اعماقها فهنا لا نجد مثل هذه الحالة وان كنا نجد في بعض الحالات درويشا يحاول خلق لغة تعبيرية بعيدة عن لغته وتعالج المألوفة- ولذلك نرى ان الغنائية ما تزال واضحة جلية في كثير من اشعار درويش وبخاصة في قصائده التي يعمد الى جلب رموزها او مفردات رموزها من الطبيعة فالايقاع الذي تمتاز به اشعاره بالعودة فاذا فقدت قصيدة الحنين عناصر البساطة والصدق ولم تقم على طبيعة الحلم وفقدت الى جانب ذلك القوة في الاندفاع فانها قد تجيء قصيدة مخفقة وان افتتن الشاعر في طريقة التعبير. (42)

ونستطيع ان نقرر في الختام ان الطبيعة المجردة معدومة في شعر درويش اذ كانت القصيدة بؤرة تتجمع فيها صور الطبيعة وبعد الخروج من الارض اصبحت الصور تميل الى ان تصبح ذات وهج حي وتميل الى التشتت وتكثر المناقشات الفكرية والمرتكزات والتكرار والتداعي والانتقالات الفجائية بمعنى انه لا يعمد الى استقاء موضوعاته من الطبيعة بوصفها وتشخيصها وان العامل الانفعالي الجواني في نفسية الشاعر هو الذي يسوقه للطبيعة ومفرداته وتبعا لذلك فقد تحولت الطبيعة في شعره الى حالة انفعالية (غنائية) تعبر عن انعكاس الواقع على الذات وصراع الذات مع الواقع لخلق معادل فني معبر عنه في هذا اللون من الابداع الشعري.

الهوامش



1- هربرت ريد، تعريف الفن ص 21.

2- فؤاد رفقة، الشعر والموت ص 65.

3- علوي الهاشمي، ما قالته النخلة للبحر ص 63.

4- محمود درويش، شيء عن الوطن ص 23.

5- يوسف الخطيب، ديوان الوطن المحتل ص 41.

6- علوي الهاشمي، ما قالته النخلة للبحر ص73.

7- ديوان الوطن المحتل ص54.

8- الديوان ص 47.

9- الديوان ص 591،691.

10- الديوان ص 312.

11- الديوان ص 68،88.

12- آرنست فيشر، ضرورة الفن ص 06.

13- الديوان ص 822،922.

14- د. مصطفى ناصف مشكلة المعنى في النقد الحديث ص19.

15- الديوان ص215.

16- مديح الظل العالي ص51.

17- د. فتوح احمد ، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر ص391.

18- الديوان ص 961.

19- ورد اقل ص 77.

20- الديوان ص 864.

21- حصار لمدائح البحر ص 421.

22- الديوان ص 385.

23- حصار لمدائح البحر ص06.

24- د. احسان عباس، محمد يوسف نجم، الشعر العربي في في المهجر. امريكا الشمالية ص121.

المصادر والمراجع

1- د. احسان عباس. د. محمد يوسف نجم، الشعر العربي في المهجر، امريكا الشمالية دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت 7591.

2- د. احمد فتوح احمد، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، دار المعارف بمصر 7791.

3- آرنست فيشر- ضرورة الفن ترجمة اسعد حليم، الهيئة المصرية للتأليف والنشر.

4- علوي الهاشمي، ما قالته النخلة للبحر- دراسة فنية في شعر البحرين المعاصر 5291-5791، دار الحرية للطباعة والنشر ، بغداد، 1891.

5- فؤاد رفقة، الشعر والموت- دار النهار للنشر- بيروت 3791.

6- محمود درويش، حصار لمدائح البحر- دار العودة بيروت 5891.

7- محمود درويش، ديوان محمود درويش- ط 9، دار العودة، بيروت 1891.

8- محمود درويش، شيء عن الوطن، دار العودة، بيروت ط 1، 1791.

9- محمود درويش، ورد اقل، دار توبيقال للنشر الدار البيضاء المغرب ط1.

10- د. مصطفى ناصف، مشكلة المعنى في النقد الحديث القاهرة 0691.
11- يوسف الخطيب، ديوان الوطن المحتل، دار فلسطين، ط1، دمشق.

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:11 PM
محمود درويش في حوارا مع صحيفة "ليبيراسون" الفرنسية


محمود درويش: لا يوجد اليومَ إلاّ إله واحدٌ، وهُو أمريكيٌّ

أجرت صحيفة "ليبيراسون" الفرنسية حواراً مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش، تطرق فيه لمواضيع مختلفة. وقد ظلّ الشاعر الفلسطيني، كمَا عوَّدَنا في كل الحوارات التي أُجرِيَت معه، قادرا على الإجابة كما لو أنه يقرأ إحدى قصائده


"تُشَكِّلُ فلسطين، ومنذ أكثر من نصف قرن، بالنسبة للشعب العربي مَرْجِعاً، وكذلك رمزَ الفردوسِ الضّائع. ولكنها تُجَسّد، أيضاً، الصراعَ من أجل العدالة، التي تَظَلّ، بالنسبة للعديد من العرب، جَوهرَ وُجودِهِم المُعاصِر: العدالة في فلسطين تُمَثِّلُ، بشكل من الأشكال، نوعاً من شرطَ مُمارَسَة حريتهم الخاصة."

حين يُسألُ الشاعر عن ما تعنيه هذه العدالة. يُجيبُ: "إنَّ تاريخَ فلسطين كان دائما تاريخاً مُتَعَدِّداً. والصراع الذي نعيشه ضدّ الإسرائيليين، على المستوى التَصَوُّرِي، يدور حول هذه النقطة. هُمْ (أي الإسرائيليون) يريدون أن يبدأ تاريخ فلسطين مع تاري**م، أي منذ القرون التي سكنوا وسادوا في هذه الأرض. كما لو أن التاريخَ تَبَلْوَرَ بحيث لم يوجد شيء من قبل ولن يوجد شيء من بعد. ودولة إسرائيل حسب هذا التصور تمثل امتدادا طبيعياً لهذه المرحلة. أما نحن فنعتقد أن تاريخ فلسطين يبتدئُ منذ أن تواجد (في فلسطين) بَشَرٌ، على الأقلّ منذ أنْ تَوَاجَدَ الكنعانيون. وإذا تَوَاصَلَ هذا التاريخُ مع المرحلة اليهودية، وهذا مَا لاَ نُفكّر في نفيه، فإن تاريخ فلسطين هو تاريخٌ متعدِّدٌ. إنه تاريخ يجمع ما بين سكان أرض الرافِدَين والسوريين (نعتقد أن المقصود هم الأشوريون. المترجم) والمصريين والرومانيين والعرب، ولاحقا العثمانيين. ربما تاريخ فلسطين تَشَكَّلَ من خلال العنف، ولكنّ هذا لا يمنع أنه ثمرةُ التقاء كل هذه الشعوب. إنّ هذه التعدديةَ ثراءٌ. وأنا أَعتَبِرُ نفسي وريثاً لكلّ هذه الثقافات، ولا أتضايق، البَتَّةَ، في التصريح بِوُجود جزءٍ يهوديّ فِيَّ. لا أستطيع أن أتَصَوَّر امتلاكا حصرياً لهذه الأرض. أنا أَرُدُّ على الإسرائيليين الذين يَدّعون أنهم يمثلون امتداداً لِمَملكة إسرائيل بالقول بأني امتدادٌ للكنعانيين. لا أريد أن أقول إنني كنت هنا قَبلَهُم، أنا أقول فقط: أنا منتوجُ كلّ هذا وأَقْبَلُهُ وأضطلع به.

وعن سؤال ما يعنيه تعريف محمود درويش لنفسه بـ"الشاعر الطروادي"، يرد: "أنا لم أَخْتَر أن أكون ضحيةً، لا على المستوى الوجودي ولا على المستوى السياسيّ. الشروط التاريخية هي التي جعلت الفلسطينيين-وأنا من بينهم- ضحايا. وهكذا فأنا أُجهِدُ نفسي على التعبير عن وعي الخَاسِر وعن الضحية. هذا هو ما يعنيه أن تكون شاعراً طرواديّا: إنه القول بأنه لا يوجد فقط مَحْكِيُّ المُنْتَصِر. إننا لم نسمع أبدا صوت الطرواديين، و"هوميروس" هو النشيدُ المَجِيدُ للإغريق. إنّ الطرواديين يمكن أن يكونوا قد عبَّروا بطريقة أو بأخرى، ولكن صوتَهُم تبدَّدَ إلى الأبد. وأنا كَشَاعِر أبحثُ عن هذا الصوت. الضعفاءُ يتوجَّب عليهم أن يُقَدِّموا رواية التاريخ، ولا يجب، أبداً، الاكتفاءُ برواية الأقوياء. وعلى كل حال، فإنّ الأدبَ الجَيِّدَ هو أدبُ الضعفاء والمهزومين ومن يُعانون، ومن فضائل الأدب أن تُتِيحَ لنا التحسيسَ بِالأَلَم والجِرَاح، وبالتالي إيصالَنَا إلى إنسانِيَتِنَا."

وتسأل الصحيفة: إذاً فمن الأفضل، حسب رأيك، أن تكون سجيناً من أن تكون سجّاناً.

يجيب درويش: " إننا ننسى أن السَجَّان هو، بصيغة ما، سجينٌ: إنه سجينٌ بلا أُفُق، ولا يحمل أيّ رسالة، وإنّ ما يبحث عنه ليس هو تحقيق حريته وإنما منع الآخَر من أن يكون حُرّاً، إنه ضحيةُ نفسِهِ. السَجَّان لا يستطيعُ الغناءَ لأنه يَجهلُ كلَّ شيء عن الكآبة، إنّه لا يملك، لا الندَم إلى السماء ولا الحنين إلى البحر. أما السجين، فبالمقابل، يُغَنّي، لأنّ الغناءَ وسيلتُهُ الوحيدةُ للإحساس بِوُجودِه الخاصّ والبرهنة عليه. وهو في أعماق نفسه يُحِسُّ بأنه أكثرُ حريةً من سجّانِهِ الذي لا يَملِكُ وعياً بحريته الخاصة وبعزلته الخاصة. إنّ دور الشِّعَر هو أن يمنَحَنَا هذه القوة، بالرغم من أنها تَخَيُّلِيّة.

وعن سؤال عن استخدام درويش لِـ"النّاصري" المسيح. يقول: "لديَّ كُلُّ الأسباب التي تدفعني لاعتبار المسيح صديقاً شخصياً. إنّه ابنُ البلد، فهو من "الناصرة" في الجليل. ثمّ إن رِسَالَتَه بسيطةٌ جدا، رسالةُ السلام والعدالة. فهو في أَمثالِهِ (القصص القصيرة ذات المدلول الأخلاقي، والتي تَرِدُ بشكل أكبر في الأناجيل الأربعة. ملاحظة من المترجم) يتحدث كما لو كان شاعراً. فهو في حدّ ذاته حالةً شعرية: يريد تَدجين السجّان من خلال مُهَامَسَتِهِ، بل وحتى معانقته، فهو يُواجِهُ العنفَ بالرِقَّة. إنه صديقُ الضعفاء، والمحرومين، والمنعزلين. وهو في هذا رمزٌ للتسامُح ولِوَحْدة البشرية. وأخيراً، هو صورةُ المعاناة. وبما أنه كذلك، فهو يُلهِمُنَا ويمنحُنَا الشجاعة. لأنّ الشعب الفلسطينيَّ، اليومَ، هو الموضوعُ على الصليب بسبب سياسة الاحتلال الاسرائيلي. لقد أصبحَ موتُ الفلسطينيّ مسألة غير مهمة مثلها مثل النشرة الجوية (الطقس)، وغزوُ أمريكا، التي وضعت نفسها فوق القانون، للعراق لم يعمل إلاّ على إضفاء القداسة على وضعية الاحتلال."

وعن السبب الذي يجعل الشاعر محمود درويش يذكر المسيح أكثر مما يذكر النبيّ محمد"، يقول: "لأني أُحِسُّ بأني أستطيع أن أتَحدَّثَ عن أحدهما بِحُرّيّة، بينما أَشْعُر كما لو أنَّه توجد رِقَابَةٌ مَا حين أتحدث عن الآخَر. وبما أنّه تمّ قبول الفصلُ بين الدينيّ والسياسيّ في المسيحية، فإنه يبدو سَهْلاً مُحَاوَرَةُ المسيح. لقد استطاع الفنّانون أن يُصوّروا المسيحَ أشقَرَ، أَسْمَر أو أسودَ، ولكني لا أستطيعُ أنْ أتَخَيَّل "محمدا" إلاّ عربيّا.

في قلب الكارثة، هل يستطيع الشاعِرُ أن يُغَنّي؟ كيف يمكن مُصَالَحَةُ التزام الشاعر السياسيّ في العالمَ والتعبير الغنائيّ عن جوانيّتِهِ؟ كيف يمكن إيجاد حلّ لهذا التوتر بين الداخل والخارج؟

- أي مكانٍ للشِّعر في عصر البربرية؟ إنّ صرخة "أدورنو": "هل من الممكن كتابةُ قصيدة بعد "أوشفيتز"؟ تَرِنُّ دائما بكثير من الصحّة والدقّة. لا أعرفُ متى وعَيْتُ هذه الثنائية بين الداخل والخارج، هذه الجَدَلِيّة بين التزام الشاعر وحريته. بالرغم من أنه أن تكون شاعراً، في حالة فلسطين، معناه أن هذه الثنائيةَ تصبح محسوسةً بشكل لا مَفَرَّ منه. لأنّه طُلِبَ من الشاعر في وقت مُبَكِّر: "مَنْ أنتَ حقيقةً؟" وأنا بدوري تَسَاءَلْتُ: "من أكونُ، حقيقةً؟" لأنه في نَظَر الشروط التاريخية التي وُلِدْتُ فيها، لم يكن الالتزام خياراً. إنّ كُلَّ الكُتّاب الفلسطينيين، ودون أن يعرفوا مفهومَ الإلتزام، كانوا مُلتَزِمِينَ. إنّنا حين نكتُبُ تاريخَنَا الشخصيَّ فإننا نكتُبُ تاريخنا الجماعيَّ."

وعن جدوى الشِّعر، يرى الشاعر درويش " لم تكن لنا أبداً من قبْلُ هذه الحاجة إلى الشعر. الشِّعْرُ لا يُوَاجِهُ الحربَ بأسلحة الحرب. إنه لا يُسقِطُ طائرات بِصَاروخ بلاغي."

وعن السؤال التالي: "أنتَ كشاعر فلسطينيّ، شَاهِدٌ على مأساة شعبِكَ وكذلك شاهد على الإيمان بالإنسانية. وكلمة "شَاهِد" هي المعنى الأول لكلمة "شَهِيد". والذين يقومون بعمليات-انتحارية يُطْلَق عليهم أيضا "شُهَدَاء". كيف يمكن أن نكون شهيداً ونتسبَّبَ في موت أشخاص أبرياء؟

يجيبُ محمود درويش: "كذلك في القرآن، كلمة "شهيد" تعني أيضاً "شَاهِد". يوجد خلطٌ في تحديد العمليات الانتحارية. وهنا لا يتعلّق الأمرُ بـ"شهداء" ولكن بـ"انتحاريين" Kamikazes. وفي الحروب، يوجد انتحاريون kamikazes في كلّ الأطراف. إنّ كلمة "شهيد" كلمة مفتوحةٌ جدا. المسيحُ ومحمد الدُرّة والشعب العراقيّ الذي هَلَك تحت القنابل "الذكيّة" الأمريكية، هم شهداء، لأنهم يَشْهَدون بإنسانيتهم في وجه الرُّعب والبربرية. الانتحاري Kamikaze، في نظري، هو من يمنح حياتَهُ من أجل قضية يعتقد أنها عادلةٌ. أنا أَدَنْتُ، ولم أَكُن الوحيدَ، العمليات الانتحارية kamikazes التي تَسْتَهْدِف مَدَنِيّين. الإسلامويون يَرُدّون بالقول إنّ الإسرائيليين يقتلون هُم أيضا مدنيين (فلسطينيين). وجوابي هو: ليس علينا أن نفعل مثلهم (الإسرائيليين)، لأننا إن فَعلْنَا مثلهم، فما هو الفرقُ بين الجلاّد والضحية؟"

هل توجد نقاط مشتركة ما بيت المأساة (التراجيديا) القديمة والمأساة التي يسببها الصراع الإسرائيلي الفلسطينيّ؟ يجب محمود درويش:

"الآلِهَةُ عند الإغريق هي مَنْ يُقَرِّرُ، هذا هو القَدَرُ. المُؤَلِّفُ القديمُ يَصِف بَطَلاً تتكسَّرُ حركاتُه وكبرياؤه بسبب إرادة الآلِهَة، بينما يتحدّث الشاعر الفلسطينيُّ، اليومَ، عن شيء آخَر من البطولة. لا يوجد في مأساتنا قَدَرٌ، وإنما الرغبة في تغيير الأشياء هي التي تُحَفِّزُ الأفعالَ. يوجد اختلافٌ آخَرُ، واسمحوا لي أن أجيب بسخرية: في المأساة الإغريقية يوجد تَعَدُّد آلِهَة نعثر من بينها على مَنْ هي حسّاسة وحنونة على ضحَايَاهَا. في الوقت الراهن، لا يوجد سوى إلهٌ واحد، وهو إلهٌ أمريكيٌّ. وأنا على المستوى السياسيّ والشّعري أفضل تعددية الآلهة على التوحيد.

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:11 PM
في قصيدتك "يوميات جرح فلسطيني" يبدأ النص هكذا:
نحن في حل من التذكار
فالكرمل فينا
وعلى أهدابنا عشب الجليل
لا تقولي: ليتنا نركض كالنهر اليها،
لا تقولي!
نحن في لحم بلادي.. وهي فينا!
ماذا تعني لك تلك البلاد التي في جسدك، وفي روحك، وفي مخيلتك؟

هي محاولة لتثبيت الأرض في اللغة، وفي الجسد. في الحالة الفلسطينية هنالك شيء ذو خصوصية محددة، وهو انه عندما هاجر الفلسطينيون وهجروا، حملوا مفاتيحهم معهم وكانوا حريصين على التأكد من أن مفاتيحهم محفوظة في مكان مأمون، سواء أكان في المهجر أم في المنفى. بهذا المعنى كان المفتاح يحمل البيت، أي أن البيت كان محمولا، وان الذي خرج ليس الشخص فقط بل الأرض ذاتها كانت تهاجر معه. فأينما ذهب الفلسطيني كان بحاجة الى الشعور، في الوعي أو اللاوعي، أنه انما كان يحمل المكان معه، المتنقل التائه هو الشخص، والمكان أيضا. ولذلك لدي الكثير من التعبيرات التي تتحدث عن الوطن كحقيبة، سواء "وطني ليس حقيبة" أو "وطني حقيبة" لأن الاستعارة واحدة: انني ما زلت أملكه، على الأقل في مستوى الذاكرة والذكرى.

مجلة الكرمل، العدد 52- صيف 1997

_________________________________________________

يوميات جرح فلسطيني



-1-
نحن في حل من التذكار
فالكرمل فينا
وعلى أهدابنا عشب الجليل
لا تقولي: ليتنا نركض كالنهر اليها،
لا تقولي!
نحن في لحم بلادي.. وهي فينا!

-2-
لم نكن قبل حزيران كأفراخ الحمام
ولذا، لم يتفتت حبنا بين السلاسل
نحن يا أختاه، من عشرين عام
نحن لا نكتب أشعارا،
ولكنا نقاتل

-3-
ذلك الظل الذي يسقط في عينيك
شيطان اله
جاء من شهر حزيران
لكي يعصب بالشمس الجباه
انه لون شهيد
انه طعم صلاة
انه يقتل أو يحيي،
وفي الحالين! آه!

-4-
أول الليل على عينيك، كان
في فؤادي، قطرة من آخر الليل الطويل
والذي يجمعنا، الساعة، في هذا المكان
شارع العودة
من عصر الذبول

-5-
صوتك الليلة،
سكين وجرح وضماد
ونعاس جاء من صمت الضحايا
أين أهلي؟
خرجوا من خيمة المنفى، وعادوا
مرة أخرى سبايا!

-6-
كلمات الحب لم تصدأ، ولكن الحبيب
واقع في الأسر- يا حبي الذي حملني
شرفات خلعتها الريح..
أعتاب بيوت
وذنوب.
لم يسع قلبي سوى عينيك،
في يوم من الأيام،
والآن اغتنى بالوطن!

-7-
وعرفنا ما الذي يجعل صوت القبره
خنجرا يلمع في وجه الغزاة
وعرفنا ما الذي يجعل صمت المقبره
مهرجانا.. وبساتين حياة!

-8-
عندما كنت تغنين، رأيت الشرفات
تهجر الجدران
والساحة تمتد الى خصر الجبل
لم نكن نسمع موسيقى،
ولا نبصر لون الكلمات
كان في الغرفة مليون بطل!

-9-
في دمي، في وجهه، صيف
ونبض مستعار.
عدت خجلان الى البيت،
فقد خر على جرحي.. شهيدا
كان مأوى ليلة الميلاد
كان الانتظار
وأنا أقطف من ذكراه.. عيدا!

-10-
الندى والنار عيناه،
اذا ازددت اقترابا منه غنى
وتبخرت على ساعده لحظة صمت، وصلاه
آه سميه كما شئت شهيدا
غادر الكوخ فتى
ثم أتى، لما أتى
وجه اله!

-11-
هذه الأرض التي تمتص جلد الشهداء
تعد الصيف بقمح وكواكب
فاعبديها!
نحن في أحشائها ملح وماء
وعلى أحضانها جرح.. يحارب

-12-
دمعتي في الحلق، يا أخت،
وفي عيني نار
وتحررت من الشكوى على باب الخليفه
كل من ماتوا
ومن سوف يموتون على باب النهار
عانقوني، صنعوا مني... قذيفه!

-13-
منزل الأحباب مهجور،
ويافا ترجمت حتى النخاع
والتي تبحث عني
لم تجد مني سوى جبهتها
أتركي لي كل هذا الموت، يا أخت.
أتركي هذا الضياع
فأنا أضفره نجما على نكبتها

-14-
آه يا جرحي المكابر
وطني ليس حقيبه
وأنا لست مسافر
انني العاشق، والأرض حبيبه!

-15-
واذا استرسلت في الذكرى!
نما في جبهتي عشب الندم
وتحسرت على شيء بعيد
واذا استسلمت للشوق،
تبنيت أساطير العبيد
وأنا آثرت أن أجعل من صوتي حصاة
ومن الصخر نغم!

-16-
جبهتي لا تحمل الظل،
وظلي لا أراه
وأنا أبصق في الجرح الذي
لا يشغل الليل جباه!
خبئي الدمعة للعيد
فلن نبكي سوى في فرح
ولنسم الموت في الساحة
عرسا.. وحياه!

-17-
وترعرعت على الجرح، وما قلت لأمي
ما الذي يجعلها في الليل خيمه
أنا ما ضيعت ينبوعي وعنواني واسمي
ولذا أبصرت في أسمالها
مليون نجمه!

-18-
رايتي سوداء،
والميناء تابوت
وظهري قنطره
يا خريف العالم المنهار فينا
يا ربيع العالم المولود فينا
زهرتي حمراء،
والميناء مفتوح،
وقلبي شجره!

-19-
لغتي صوت خرير الماء
في نهر الزوابع
ومرايا الشمس والحنطة
في ساحة حرب
ربما أخطأت في التعبير أحيانا
ولكن كنت -لا أخجل- رائع
عندما استبدلت بالقاموس قلبي!

-20-
كان لا بد من الأعداء
كي نعرف أنا توأمان!
كان لا بد من الريح
لكي نسكن جذع السنديان!
ولو أن السيد المصلوب لم يكبر على عرش الصليب
ظل طفلا ضائع الجرح.. جبان.

-21-
لك عندي كلمه
لم أقلها بعد،
فالظل على الشرفة يحتل القمر
وبلادي ملحمة
كنت فيها عازفا.. صرت وتر!

-22-
عالم الآثار مشغول بتحليل الجحاره
انه يبحث عن عينيه في ردم الأساطير
لكي يثبت أني:
عابر في الدرب لا عينين لي!
لا حرف في سفر الحضاره!
وأنا أزرع أشجاري، على مهلي،
وعن حبي أغني!

-23-
غيمة الصيف التي.. يحملها ظهر الهزيمه
علقت نسل السلاطين
على حبل السراب
وأنا المقتول والمولود في ليل الجريمة
ها أنا ازددت التصاقا.. بالتراب!

-24-
آن لي أن أبدل اللفظة بالفعل، وآن
لي أن أثبت حبي للثرى والقبره
فالعصا تفترس القيثار في هذا الزمان
وأنا أصفر المرآة،
مذ لاحت ورائي شجره!

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:12 PM
شف محمود درويش بعض مما تخبئه أسوار إبداعه فكان في طليعة أسراره قلقه الدائم مما ينجزه وليس عما ينجزه.

"أنا من الشعراء الذين لا يحتاجون إلى نقاد لكي يدمروهم.. أنا كفيل بتدمير نفسي والتمرد عليها .. هكذا يقول درويش في تفسير التجدد الدائم لإبداعه".

"أنا شديد السأم لما أنتجه... وعندما أقرأ جديدا كتبته وأرى أنه يشبهني كثيرا أشعر بأنه لا يصلح للنشر.. يجب أن أشعر أن من كتبه هو شخص آخر وليس نسخة عما كتبت"…

كان محمود درويش في الرباط في مهرجان الشعر العربي الذي نظم في إطار الرباط عاصمة الثقافة العربية، غرد شعرا على خشبة مسرح محمد الخامس، وصافح جمهورا حاشدا من المعجبين والمعجبات على مدى ثلاثة أيام قبل أن يعود إلى الوطن، الذي قال انه لم يعد يستطيع التأخر في معانقته بعد خمسة أسابيع من الغياب.

يقول درويش انه يصغي للحياة ويصغي للزمن ويترك نفسه لأن تعرف نفسها وتعرف مخارجها.. أحيانا "أستفيد من هذه التجربة وأحيانا لا أستفيد لكني أحاول لأنني غير راض" . وعلى الرغم من زعم بعض النقاد بأن لدرويش مشروعا شعريا محدد المعالم فهو يرى بأن في داخل كل شاعر بذور مشروع ما.

ولم يخف درويش ميله إلى اعتبار أن التخلي عن الغنائية بمعني الإيقاع الموسيقي للقصيدة وليس بمعنى النظرة إلى الوجود يفقد القصيدة العربية كثيرا من عناصر علاقتها بالقارئ مضيفا قوله قد تكون غنائيتي ملحمية وقد لا تكون.. لكني لا أعتبر نفسي شاعرا غنائيا بالمطلق .

ومن هذا المنطلق أبى درويش، حسب صحيفة القدس العربي، إلا أن يدعو النقد العربي إلى وضع تحديد دقيق لمصطلح الغنائية باعتباره من أكثر المصطلحات غموضا في الشعر وفي النقد العربيين إذ أن الغنائية ليست غنائية واحدة بل هناك غنائيات.. غنائية فردية وأخرى ملحمية وهناك غنائية بالمعنى التقليدي التي تعني حسب التعريف اليوناني القديم ما ليس ملحميا وليس دراميا.

وبروح مرحة هادئة يقول محمود درويش لوكالة الأنباء المغربية، من المفارقات اللطيفة أن طلبة الجامعات على امتداد البلاد العربية وخارجها أنجزوا مئات الأبحاث حول شعره مفسرا الأمر بكون الاجتهاد عند الشباب يبدو أكثر من الاجتهاد عند النقاد لأن الشباب لم يكونوا حتى الآن منظورهم النقدي الكامل أو نظريتهم النقدية الكاملة التي يخضعون لها النصوص وليس بالعكس ولذلك هم أكثر جرأة في طرح أسئلة جديدة .

وهو يري أنه من الذين يعتقدون أن المفاجأة الشعرية دائما تسبق النقد.. فالنقاد يقفون حائرين أمام شعر يتطور وقد يحتاجون إلى أن يتشكل بشكل نهائي.. طبعا ليس هناك شكل نهائي إلا في تحديد بداية ونهاية السيرة الشعرية.. ربما ينتظرونني حتى أتوقف عن الكتابة نهائيا.. ولكن هناك بعض المقالات النقدية التي تتعامل مع النص وتحاول أن تراه ولكن أنا أسبق منهم إلي التجدد.. . وهذه ليست ميزة تخص الشعر العربي كما يرى درويش الذي يعتبر أن الإنجاز الشعري هو الذي يؤسس دائما للنظرية وليست النظرية هي التي تؤسس للشعر.. فالشعر أسبق دائما وسريع التطور أكثر من النقد الذي يحتاج إلى نظريات وإلى استفادة من علوم إنسانية أخرى لكي يطور أدواته بينما الشعر يقفز فوق كل هذه النظريات ولا يستسلم لضوابط وحدود النظرية النقدية...

واعتبارا لكون التجربة الشعرية تنبني لدى درويش على ما لا يقاس من المعاناة فهو يفسر معالجته لموقف الموت في مطولته (الجدارية) بكونه خلاصة تأثر عميق بتجربة شخصية تتمثل في الصراع مع الموت أثناء إجرائه عملية جراحية خطيرة في القلب سنة 1998 وفي أعقاب هذه العملية.

هذه التجربة من أغنى تجاربي الوجودية حيث يقف الإنسان أمام مصيره وأمام شريط حياته بكامله أثناء الاقتراب من الموت وبالتالي كان لا بد من تسجيل ما يشبه السيرة الذاتية كخلفية لموضوع الموت.. .
وأضاف أن هذه السيرة الذاتية لا تشمل فقط تاريخ الفرد بل تشمل إلى حد ما تاريخ المكان والعلاقة بالمكان وتاريخ سؤال الموت كما ورد في أقدم النصوص الإنسانية عند جلجامش وفي (سفر الجامعة) لسليمان وفي التوراة .

ودرويش لا يتناول هنا فقط الموت الفيزيقي بقدر ما يتناول موت بعض الأفكار وبعض المراحل التاريخية وبعض الصيغ الكتابية أي بمعني الموت بمفهوم أشمل وهو يرى أن (الجدارية) تبقي مع ذلك قصيدة تمجيد ومديح للحياة .

ويصف درويش مجموعة (لماذا تركت الحصان وحيدا) بأنها عبارة عن ما يشبه سيرة ذاتية احتفي فيها بجماليات اللغة العربية وبجماليات المكان واستفاد فيها من كل أشكال الكتابة الشعرية سواء كانت بالتفعيلة أو بالشعر العمودي حتى.. معبرا من خلال الشكل الشعري عن تطور التجربة الشعرية ذاتها لذا فهي ليست سيرة لشخص ما فقط بل سيرة لأساليبي الشعرية .

أما ديوان (سرير الغريبة) فهو في منظور درويش ليس كتاب حب بالمعنى التقليدي للكلمة.. بقدر ما هو سؤال صعب إلى حد ما ووجودي حول غربة الحب أو حول الحب بين غريبين ففي هذا الغموض الضروري يجب ألا ينكشف الواحد منا انكشافا كاملا.

وأضاف.. في رأيي يجب أن تبقي منطقة ما سرية.. سريتها تعبر عن استقلالية الفرد.. انكشاف كل التفاصيل داخل الأنثى بالنسبة للرجل أو بالعكس يجرد الحب من منطقة رئيسية هي الفضول والتجدد والرغبة في مزيد من المعرفة.. المعرفة الكاملة قد تقتل الانجذاب وتؤثر على جاذبية العلاقة فبقاء بعض الظلال وبعض الأسرار يعطي الحب النشاط والإقبال واللقاء والمزيد من الفضول الجمالي الضروري .

ويفسر درويش دلالات ثنائية الأنا والآخر في شعره بالقول إن في كل شخص يوجد شخص آخر وتلجأ النفس لحماية نفسها للخروج من الأنا إلي الآخر وفي العودة أيضا من الآخر إلى الأنا.. هي إذن جدلية خروج ودخول.. لكي نتعرف على أنفسنا بشكل أفضل علينا أن نتعرف على الآخر.. ولكي نتعرف على الآخر يجب أن نتعرف على أنفسنا .

هي إذن عملية ذهاب وإياب بين الداخل والخارج وبين الأنا والآخر وهي حسب درويش عملية تعرف على مركبات الذات الخاصة التي لا تعرف هويتها بذاتها وإنما تعرف بقدر ما فيها من ذوات أخري فـ الواحد فينا ليس واحدا.. هو أكثر من واحد.. وفي الجماعة أيضا الجماعة ليست كتلة واحدة وإنما فيها مجموعة من الأفراد ومن الذوات.. هي عملية محاولة للتعرف على الطريق.. .

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:12 PM
جدارية محمود درويش


منقول عن موقع الاخ حنظلة

جدارية محمود درويش

( مقاطع )

هذا هو اسمكَ

قالتِ امرأة

وغابت في الممرّ اللولبي...



أرى السماء هُناكَ في متناولِ الأيدي.

ويحملني جناحُ حمامة بيضاءَ صوبَ

طفولة أخرى. ولم أحلم بأني

كنتُ أحلمُ. كلُّ شيء واقعيّ. كُنتُ

أعلمُ أنني ألقي بنفسي جانباً...

وأطيرُ. سوف أكون ما سأصيرُ في

الفلك الأخيرِ. وكلُّ شيء أبيضُ،

البحرُ المعلَّق فوق سقف غمامة

بيضاءَ. واللا شيء أبيضُ في

سماء المُطلق البيضاء. كُنتُ، ولم

أكُن. فأنا وحيد في نواحي هذه

الأبديّة البيضاء. جئتُ قُبيَل ميعادي

فلم يظهر ملاك واحد ليقول لي:

"ماذا فعلتَ، هناك، في الدنيا؟"

ولم أسمع هتَافَ الطيَبينَ، ولا

أنينَ الخاطئينَ، أنا وحيد في البياض،

أنا وحيدُ...



لا شيء يُوجِعُني على باب القيامةِ.

لا الزمانُ ولا العواطفُ. لا أُحِسُّ بخفَّةِ

الأشياء أو ثقل

الهواجس. لم أجد أحداً لأسأل:

أين "أيني" الآن؟ أين مدينة

الموتى، وأين أنا؟ فلا عدم

هنا في اللا هنا... في اللا زمان،

ولا وُجُودُ



وكأنني قد متُّ قبل الآن...

أعرفُ هذه الرؤية وأعرفُ أنني

أمضي إلى ما لستُ أعرفُ. رُبَّما

ما زلتُ حيّاً في مكان ما، وأعرفُ

ما أريدُ...



سأصير يوماً ما أريد



سأصير يوماً فكرةً. لا سيفَ يحملُها

إلى الأرض اليباب، ولا كتابَ...

كأنها مطر على جبل تصدَّع من

تفتُّحِ عُشبة،

لا القُوَّةُ انتصرت

ولا العدلُ الشريدُ

سأصير يوماً ما أريدُ

سأصير يوماً طائراً، وأسُلُّ من عدمي

وجودي. كُلَّما احترقَ الجناحانِ

اقتربت من الحقيقةِ. وانبعثتُ من

الرماد. أنا حوارُ الحالمين، عَزفتُ

عن جسدي وعن نفسي لأكملَ

رحلتي الأولى إلى المعاني، فأحرقني

وغاب. أنا الغيابُ، أنا السماويُّ

الطريدُ.



سأصير يوماً ما أريدُ



سأصير يوماً شاعراً،

والماءُ رهنُ بصيرتي. لُغتي مجاز

للمجاز، فلا أقول ولا أشيرُ

إلى مكان. فالمكان خطيئتي وذريعتي.

أنا من هناك. "هُنايَ" يقفزُ

من خُطايَ إلى مُخيّلتي...

أنا من كنتُ أو سأكون

يصنعُني ويصرعُني الفضاءُ

اللانهائيُّ

المديدُ.



سأصير يوماً ما أريدُ



سأصيرُ يوماً كرمةً،

فليعتصرني الصيفُ منذ الآن،

وليشرب نبيذي العابرون على

ثُريّات المكان السكّريِّ!

أنا الرسالةُ والرسولُ

أنا العناوينُ الصغيرةُ والبريدُ



سأصير يوماً ما أريدُ



هذا هوَ اسمُكَ

قالتِ امرأة،

وغابت في ممرِّ بياضها

هذا هو اسمُكَ، فاحفظِ اسمكَ جيِّداً!

لا تختلف معهُ على حرف

ولا تعبأ براياتِ القبائلِ،

كُن صديقاً لاسمك الأفقَيِّ

جرِّبهُ مع الأحياء والموتى

ودرِّربهُ على النُطق الصحيح برفقة

الغرباء

واكتبهُ على إحدى صُخور الكهف،

يا اسمي: سوف تكبرُ حين أكبرُ

الغريبُ أخُو الغريب

سنأخذُ الأنثى بحرف العلَّة المنذور

للنايات.

يا اسمي: أين نحن الآن؟

قل: ما الآن، ما الغدُ؟

ما الزمانُ وما المكانُ

وما القديمُ وما الجديدُ؟



سنكون يوماً ما نريدُ (...).

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:12 PM
القربان


هيّا.. تقدّمْ أنتَ وَحْدَكَ، أنتَ وَحدَكَ
حولكَ الكُهّانُ ينتظرون أمرَ اللهِ، فاصعَدْ
أيُّها القربانُ نحو المذبحِ الحجري، يا كبشَ
الفداء – فدائنا… واصعَدْ قويّا

لَكَ حُبُّنا، وغناؤنا المبحوحُ في
الصحراء: هاتِ الماءَ من غبش السراب
وأيقظ الموتى ! ففي دمكَ الجوابُ، ونحن
لم نقتلْكَ… لم نقْتُلْ نبيّا

إلا لنمتحن القيامة، فامتحنا أنتَ
في هذا الهباءِ المعدني، ومت لنعرفَ
كم نُحبك.. كم نُحبك! مُت لنعرفَ
كيف يسقطُ قلبُكَ الملآن، فوق دعائنا
رُطباَ جنيّا

لكَ صورةُ المعنى. فلا ترجع إلى
أعضاء جسمك، واترك اسمكَ في الصدى
صفة لشيء ما، وكُن أيقونةَ للحائرين
وزينةً للساهرين، وكُنْ شهيداً شاهداً
طلق المُحيّا


فبأيّ آلاء نكذّب؟ من يُطَهّرُنا
سواك؟ ومن يحررنا سواك؟ وقد
ولُدتَ نيابة عنا هناك. ولُدْت من نور
ومن نار. وكنا نحن نجّارين مَوْهوبينَ في
صُنْع الصليبِ، فَخُذْ صليبَكَ وارتفعْ
فوق الثُريّا

سنقولُ: لم تُخطئْ، ولم نُخطئْ، إذا
لم يهطِل المَطَرُ انتظرناهُ، وضحينا بجسمكَ
مرةً أخرى فلا قربانَ غيرك، يا حبيب
الله، يا ابن شقائق النعمان، كمْ منْ
مرّةٍ ستعودُ حيّا!

هيّا، تقدّمْ أنت وَحدَك، يا استعارتَنا
الوحيدة فوق هاوية الغنائييّن، نحن الفارغين
النائمين على ظهور الخيل.. نسألكَ الوفاء،
فكُنْ وفيّاً للسلالة والرسالة، كُنْ وفيّا
للأساطير الجميلة، كُن وفيّا‍‍!

وبأي آلاء نكذّب؟ والكواكبُ في
يديك، فكن إشارتنا الأخيرة، كُنْ عبارتنا
الأخيرةَ في حُطام الأبجدية "لم نزَلْ
نحيا، ولَوْ موتى" على دَمكَ اتكلنا
دلّنا، وأضئ لنا دَمَك الزكيَا‍!

لم يعتذر أحدٌ لجرحِك، كُلُّنا قُلْنا
لروما "لم نكن مَعَهُ" وأسْلمناك للجلاّد،
فاصفح عن خيانتنا الصغيرة، يا أخانا
في الرضاعة، لم نكن ندري بما يجري،
فكُنْ سمحاً رضيّا.

سنُصدّقُ الرؤيا ونؤمنُ بالزواجِ الفذّ
بين الروح والجسدَ المقدّس كلّ ورد
الأرض لا يكفي لعرشك، حفّت الأرضُ،
استدارتْ، ثم طارتْ، كالحمامة في سمائكَ،
يا ذبيحتنا الأنيقة، فاحترقْ، لتضيئنا، ولتنبثقْ
نجماً قصياً

أعلى وأعلى. لَسْتَ منا إن نزلتَ
وقُلتَ: "لي جَسدٌ يُعذّبني على خشب
الصليب" فإن نَطقتَ… أفقْتَ، وانكشفَتْ
حقيقتُنا، فكُنْ حُلُماً، لا تكنْ بشراً
ولا شجراً، وكُنْ لُغزاً عصيّا

كُنْ هَمْزةَ الوَصْلِ الخفيفة بين آلهة
السماء وبيننا، قد تمطر السُحُبُ العقيمةُ
مَنْ نوافذِ حَرْفك العالي، وكن نور البشارة،
واكتبْ الرؤيا على باب المغارةِ. وأهْدِنا
درباً سويّا

وليحتفلْ بكَ كُلُ ما يَخْضرُّ، مِنْ
شجر وَمِنْ حَجَر، ومن أشياء تنساها
الفراشة فوق قارعة الزمان قصيدةً…
وليحتفلْ بكَ كُلُّ مَنْ لم يمتلكْ ذكرى،
ولا قمراً بهيّا

ولا تنكسرْ! لا تنتصرْ، كُنْ بَينَ،
بيْنَ معلقاً، فإذا انكسَرْتَ كُسَرْتَناَ، وإذا
انتصَرْتَ كَسَرْتَنا، وَهَدَمْتَ هَيكلنا، إذًا،
كن مَيّتاً – حيّاً – وحيّا – ميتا، ليواصِلَ
الكُهّانُ مهنتهُمْ، وكُنْ طيفاً خَفيّا

ولتْبقَ وَحْدَك عالياً، لا يلمسُ الزّمنُ
الثقيلُ مجالكَ الحيويَّ، فاصعَدْ ما استطعتَ،
فأنت أجمَلُنا شهيداً، كن بعيداً ما استطعْتَ
لكي نرى في الوحي ظلكَ أرْجوانيَّ الخريطة،
فالسلامُ عليك يَوْمَ وُلِدْتُ في بلد السلام،
ويَوْمَ مُتَّ، ويَومَ تُبعثُ من ظلام الموت
حيّاً!



محمود درويش

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:23 PM
أبيات غزل


سألتك:هزي بأجمل كف على الأرض
غصن الزمان!
لتسقط أوراق ماض وحاضر
ويولد في لمحة توأمان:
ملاك...وشاعر!
ونعرف كيف يعود الرماد لهيبا"
اذا اعترف العاشقان!
أتفاحتي! ياأحب حرام يباح
اذا فهمت مقلتاك شرودي وصمتي
أنا , عجبا كيف تشكو الرياح
بقائي لديك؟ وأنت
خلود النبيذ بصوتي..
وطعم الأساطير والأرض..أنت!
لماذا يسافر نجم على برتقاله
ويشرب يشرب يشرب حتى الثمالة..
اذا كنت بين يدي..
تفتت لحن..وصوت ابتهاله
لماذا أحبك؟
كيف تئن بروقي لديك
وتتعب ريحي على شفتيك
فأعرف في لحظة
بأن الليالي مخدة..
وأن القمر جميل
كطلعة وردة...
واني وسيم لأني لديك!
أتبقين فوق ذراعي حمامة
تغمس منقارها في فمي؟
وكفك فوق جبيني شامه..
تخلد وعد الهوى في دمي ؟
اتبقين فوق ذراعي حمامة
تجنحني...كي أطير..
تهدهدني ...كي أنام..
وتجعل لأسمي نبض العبير
وتجعل بيتي برج حمام؟
أريدك عندي خيالا يسير على قدمين!
وصخر حقيقة يطير
بغمزة عين !

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:24 PM
اهديها غزالا


وشاح المغرب الوردي فوق ضفائر الحلوة
وحبة برتقال كانت الشمس.
تحاول كفها البيضاء ان تصطادها عنوه
وتصرخ بي , وكل صرا**ا همس:
أمي ! ياسلمي العالي!
اريد الشمس بالقوة!


وفي ليل رمادي, رايناالكوكب الفضي..
ينقط ضوءه العسلي فوق نوافذ البيت.
وقالت , وهي حين تقول , تدفعني الى الصمت:
تعالي غدا" لنزرعه ..
مكان الشوك في الأرض...

أبي من أجلها صلى وصام:
وجاب أرض الهند والأغريق..
الها را كعا لغبار رجليها...
وجاع لأجلها في البيد...أجيالا يشد النوق:
وأقسم تحت عينيها
يمين قناعة الخالق بالمخلوق!

تنام فتحلم اليقظة في عيني مع السهر...
فدائي الربيع أنا , وعبد نعاس عينيها
وصوفي الحصى, والرمل والحجر...
سأعبدهم , لتلعب كالملاك, وظل رجليها
على الدنيا, صلاة الأرض للمطر..


حرير شوك ايامي, على دربي الى غدها
حرير شوك أيامي !
وأشهى من عصير المجد ماألقى...لأسعدها..
وأنسى في طفولتها عذاب طفولتي الدامي
وأشرب , كالعصافير, الرضا والحب من يدها


سأهديها غزالا" ناعما" كجناح أغنية...
له أنف ككرملنا...
وأقدام كأنفاس الرياح , كخطو حرية..
وعنق طالع كطلوع سنبلنا
من ا لوادي ...الى القمم السماوية..!

سلاما" ياوشاح الشمس , يامنديل جنتنا..
وياقسم المحبة في أغانينا..!
سلاما" , ياربيعا" راحلا " في الجفن! ياعسلا" بغصتنا
وياسهر التفاؤل في أمانينا
لخضرة أعين الأطفال...ننسج ضوء رايتنا



(مهداةلأبنتي رحمة )

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:24 PM
أعراس


عاشق يأتي من الحرب الى يوم الزفاف
يرتدي بدلته الأولى
ويدخل
حلبة الرقص حصانا
من حماس وقرنفل

وعلى حبل الزغاريد يلاقي فاطمة
وتغني لهما
كل اشجار المنافي
ومناديل الحداد الناعمة
ذبل العاشق عينيه
واعطى يده السمراء للحناء
والقطن النسائي المقدس

وعلى سقف الزغاريد تجيء الطائرات
طائرات
طائرات
تخطف ا لعاشق من حضن الفراشة
وتغني الفتيات:
قد تزوجت
تزوجت جميع الفتيات
يامحمد!
وقضيت الليلة الاولى
على قرميد حيفا
يامحمد!
ياأمير العاشقين
يامحمد!
وتزوجت الدوالي
وسياج الياسمين
يامحمد!
وتزوجت السلالم
يامحمد!
وتقاوم
يامحمد!
وتزوجت البلاد
يامحمد!
يامحمد!


محمود درويش

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:24 PM
يطير الحمام . . . يحط الحمام ( محمود درويش)


يطير الحمام . . . يحط الحمام ( محمود درويش)
--------------------------------------------------------------------------------





يطيرُ الحمام



محمود درويش


من ديوان " حصار لمدائح البحر " (1984)






يطيرُ الحمامُ

يَحُطُّ الحمامُ

- أعدِّي لِيَ الأرضَ كي أستريحَ

فإني أُحبُّكِ حتى التَعَبْ...

صباحك فاكهةٌ للأغاني

وهذا المساءُ ذَهَبْ

ونحن لنا حين يدخل ظِلٌّ إلى ظِلِّه في الرخامِ

وأُشْبِهُ نَفْسِيَ حين أُعلِّقُ نفسي

على عُنُقٍ لا تُعَانِقُ غَيرَ الغَمامِ

وأنتِ الهواءُ الذي يتعرَّى أمامي كدمع العِنَبْ

وأنت بدايةُ عائلة الموج حين تَشَبَّثَ بالبرِّ

حين اغتربْ

وإني أُحبُّكِ، أنتِ بدايةُ روحي، وأنت الختامُ

يطير الحمامُ

يَحُطُّ الحمامُ

أنا وحبيبيَ صوتان في شَفَةٍ واحدهْ

أنا لحبيبي أنا. وحبيبي لنجمته الشاردهْ

وندخل في الحُلْمِ، لكنَّهُ يَتَبَاطَأُ كي لا نراهُ

وحين ينامُ حبيبيَ أصحو لكي أحرس الحُلْمَ مما يراهُ

وأطردُ عنه الليالي التي عبرتْ قبل أن نلتقي

وأختارُ أيَّامنا بيديّ

كما اختار لي وردةَ المائدهْ

فَنَمْ يا حبيبي

ليصعد صوتُ البحار إلى ركبتيّ

وَنَمْ يا حبيبي

لأهبط فيك وأُنقذَ حُلْمَكَ من شوكةٍ حاسدهْ

وَنَمْ يا حبيبي

عليكَ ضفائر شعري، عليك السلامُ

يطيرُ الحمامُ

يَحُطُّ الحمامُ

- رأيتُ على البحر إبريلَ

قلتُ: نسيتِ انتباه يديكِ

نسيتِ التراتيلَ فوق جروحي

فَكَمْ مَرَّةً تستطيعينَ أن تُولَدي في منامي

وَكَمْ مَرَّةً تستطيعين أن تقتليني لأصْرُخَ: إني أحبُّكِ

كي تستريحي?

أناديكِ قبل الكلامِ

أطير بخصركِ قبل وصولي إليكِ

فكم مَرَّةً تستطيعين أن تَضَعِي في مناقير هذا الحمامِ

عناوينَ روحي

وأن تختفي كالمدى في السفوحِ

لأدرك أنَّكِ بابلُ، مصرُ، وشامُ

يطير الحمامُ

يَحُطُّ الحمامُ

إلى أين تأخذني يا حبيبيَ من والديَّ

ومن شجري، من سريري الصغير ومن ضجري،

من مرايايَ من قمري، من خزانة عمري ومن سهري،

من ثيابي ومن خَفَري?

إلى أين تأخذني يا حبيبي إلى أين

تُشعل في أُذنيَّ البراري، تُحَمِّلُني موجتين

وتكسر ضلعين، تشربني ثم توقدني، ثم

تتركني في طريق الهواء إليك

حرامٌ... حرامُ

يطير الحمامُ

يَحُطُّ الحمامُ

- لأني أحبكِ، خاصرتي نازفهْ

وأركضُ من وَجَعِي في ليالٍ يُوَسِّعها الخوفُ مما أخافُ

تعالى كثيرًا، وغيبي قليلاً

تعالى قليلاً، وغيبي كثيرًا

تعالى تعالى ولا تقفي، آه من خطوةٍ واقفهْ

أُحبُّكِ إذْ أشتهيكِ. أُحبُّكِ إذْ أشتهيك

وأحضُنُ هذا الشعاعَ المطوَّقَ بالنحل والوردة الخاطفهْ

أحبك يا لعنة العاطفهْ

أخاف على القلب منك، أخاف على شهوتي أن تَصِلْ

أُحبُّكِ إذْ أشتهيكِ

أحبك يا جسدًا يخلق الذكريات ويقتلها قبل أن تكتملْ

أحبك إذْ أشتهيكِ

أُطوِّع روحي على هيئة القدمين - على هيئة الجنَّتين

أحكُّ جروحي بأطراف صمتك.. والعاصفهْ

أموتُ، ليجلس فوق يديكِ الكلامُ

يطير الحمامُ

يَحُطُّ الحمامُ

لأني أُحبُّك (يجرحني الماءُ)

والطرقاتُ إلى البحر تجرحني

والفراشةُ تجرحني

وأذانُ النهار على ضوء زنديك يجرحني

يا حبيبي، أناديكَ طيلة نومي، أخاف انتباه الكلام

أخاف انتباه الكلام إلى نحلة بين فخذيَّ تبكي

لأني أحبُّك يجرحني الظلُّ تحت المصابيح، يجرحني

طائرٌ في السماء البعيدة، عِطْرُ البنفسج يجرحني

أوَّلُ البحر يجرحني

آخِرُ البحر يجرحني

ليتني لا أُحبُّكَ

يا ليتني لا أُحبُّ

ليشفى الرخامُ

يطير الحمامُ

يَحُطُّ الحمامُ

- أراكِ، فأنجو من الموت. جسمُكِ مرفأْ

بعشرِ زنابقَ بيضاء، عشر أناملَ تمضي السماءُ

إلى أزرقٍ ضاع منها

وأُمْسِكُ هذا البهاء الرخاميَّ، أُمسكُ رائحةً للحليب المُخبَّأْ

في خوختين على مرمر، ثم أعبد مَنْ يمنح البرَّ والبحر ملجأْ

على ضفَّة الملح والعسل الأوَّلين، سأشرب خَرُّوبَ لَيْلِكِ

ثم أنامُ

على حنطةٍ تكسر الحقل، تكسر حتى الشهيق فيصدأْ

أراك، فأنجو من الموت. جسمك مرفأْ

فكيف تُشَرِّدني الأرضُ في الأرض

كيف ينامُ المنامُ

يطير الحمامُ

يَحُطُّ الحمامُ

حبيبي، أخَافُ سكوتَ يديكْ

فَحُكَّ دمي كي تنام الفرسْ

حبيبي، تطيرُ إناثُ الطيور إليكْ

فخذني أنا زوجةً أو نَفَسْ

حبيبي، سأبقي ليكبر فُستُقُ صدري لديكْ

ويجتثُّني مِنْ خُطَاك الحَرَسْ

حبيبي، سأبكي عليكَ عليكَ عليكْ

لأنك سطحُ سمائي

وجسميَ أرضُكَ في الأرضِ

جسمي مقَامُ

يطير الحمامُ

يَحُطُّ الحمامُ

رأيتُ على الجسر أندلُسَ الحبّ والحاسَّة السادسهْ.

على وردة يابسهْ

أعاد لها قلبَها

وقال: يكلفني الحُبُّ ما لا أُحبُّ

يكلفني حُبَّها.

ونام القمرْ

على خاتم ينكسرْ

وطار الحمامُ

رأيتُ على الجسر أندلُسَ الحب والحاسَّة السادسهْ.

على دمعةٍ يائسهْ

أعادتْ له قلبَهُ

وقالت: يكلفني الحبُّ ما لا أُحبُّ

يكلفني حُبَّهُ

ونام القمر

على خاتم ينكسرْ

وطار الحمامُ.

وحطّ على الجسر والعاشِقيْنِ الظلامُ

يطير الحمامُ

يطير الحمامُ

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:25 PM
وعود من العاصفة .... محمود درويش


وعود من العاصفة
محمود درويش



عيونِك شوكةٌ في القلب

توجعني... وأعبدُها

وأحميها من الريحِ

وأُغمدها وراء الليل والأوجاع... أغمدها

فيشعل جُرحُها ضوءَ المصابيحِ

ويجعل حاضري غدُها

أعزَّ عليَّ من روحي

وأنسى، بعد حينٍ، في لقاء العين بالعينِ

بأنّا مرة كنّا، وراءَ الباب، إثنينِ!



كلامُكِ... كان أغنيهْ

وكنت أُحاول الإنشاد

ولكنَّ الشقاء أحاط بالشفة الربيعيَّة

كلامك، كالسنونو، طار من بيتي

فهاجر باب منزلنا، وعتبتنا الخريفيَّه

وراءك، حيث شاء الشوقُ...

وانكسرت مرايانا

فصار الحزن ألفينِ

ولملمنا شظايا الصوت...

لم نتقن سوى مرثيَّة الوطنِ!

سنزرعها معاً في صدر جيتارِ

وفق سطوح نكبتنا، سنعرفها

لأقمارٍ مشوَّهةٍٍ...وأحجارِ

ولكنّي نسيتُ... نسيتُ... يا مجهولةَ الصوتِ:

رحيلك أصدأ الجيتار... أم صمتي؟!



رأيتُك أمسِ في الميناءْ

مسافرة بلا أهل... بلا زادِ

ركضتُ إليكِ كالأيتامُ،

أسأل حكمة الأجداد:

لماذا تُسحبُ البيَّارة الخضراءْ

إلى سجن، إلى منفى، إلى ميناءْ

وتبقى، رغم رحلتها

ورغم روائح الأملاح والأشواق،

تبقى دائماً خضراء؟

وأكتب في مفكرتي:

أُحبُّ البرتقال. وأكرهُ الميناء

وأَردف في مفكرتي:

على الميناء

وقفتُ. وكانت الدنيا عيونَ شتاءْ

وقشر البرتقال لنا. وخلفي كانت الصحراء!



رأيتُكِ في جبال الشوك

راعيةً بلا أغنام

مطارَدةً، وفي الأطلال...

وكنت حديقتي، وأنا غريب الدّار

أدقُّ الباب يا قلبي

على قلبي...

يقرم الباب والشبّاك والإسمنت والأحجار!



رأيتكِ في خوابي الماء والقمحِ

محطَّمةً. رأيتك في مقاهي الليل خادمةً

رأيتك في شعاع الدمع والجرحِ.

وأنتِ الرئة الأخرى بصدري...

أنتِ أنتِ الصوتُ في شفتي...

وأنتِ الماء، أنتِ النار!



رأيتكِ عند باب الكهف... عند النار

مُعَلَّقَةً على حبل الغسيل ثيابَ أيتامك

رأيتك في المواقد... في الشوارع...

في الزرائب... في دمِ الشمسِ

رأيتك في أغاني اليُتم والبؤسِ!

رأيتك ملء ملح البحر والرملِ

وكنتِ جميلة كالأرض... كالأطفال... كالفلِّ

وأُقسم:

من رموش العين سوف أُخيط منديلا

وأنقش فوقه شعراً لعينيكِ

وإسماً حين أسقيه فؤاداً ذاب ترتيلا...

يمدُّ عرائش الأيكِ...

سأكتب جملة أغلى من الشُهَدَاء والقُبَلِ:

"فلسطينيةً كانتِ. ولم تزلِ!"

فتحتُ الباب والشباك في ليل الأعاصيرِ

على قمرٍ تصلَّب في ليالينا

وقلتُ لليلتي: دوري!

وراء الليل والسورِ...

فلي وعد مع الكلمات والنورِ.

وأنتِ حديقتي العذراءُ...

ما دامت أغانينا

سيوفاً حين نشرعها

وأنتِ وفيَّة كالقمح...

ما دامت أغانينا

سماداً حين نزرعها

وأنت كنخلة في البال،

ما انكسرتْ لعاصفةٍ وحطّابِ

وما جزَّت ضفائرَها

وحوشُ البيد والغابِ...

ولكني أنا المنفيُّ خلف السور والبابِ

خُذينيَ تحت عينيكِ

خذيني، أينما كنتِ

خذيني، كيفما كنتِ

أردِّ إليَّ لون الوجه والبدنِ

وضوء القلب والعينِ

وملح الخبز واللحنِ

وطعم الأرض والوطنِ!

خُذيني تحت عينيكِ

خذيني لوحة زيتيَّةً في كوخ حسراتِ

خذيني آيةً من سفر مأساتي

خذيني لعبة... حجراً من البيت

ليذكر جيلُنا الآتي

مساربه إلى البيتِ!



فلسطينيةَ العينين والوشمِ

فلسطينية الإسمِ

فلسطينية الأحلام والهمِّ

فلسطينية المنديل والقدمَين والجسمِ

فلسطينية الكلمات والصمتِ

فلسنينية الصوتِ

فلسطينية الميلاد والموتِ

حملتُك في دفاتريَ القديمةِ

نار أشعاري

حملتُك زادَ أسفاري

وباسمك، صحتُ في الوديانْ:

خيولُ الروم!... أعرفها

وإن يتبدَّل الميدان!

خُذُوا حَذَراً...

من البرق الذي صكَّته أُغنيتي على الصوَّانْ

أنا زينُ الشباب، وفارس الفرسانْ

أنا. ومحطِّم الأوثانْ.

حدود الشام أزرعها

قصائد تطلق العقبان!

وباسمك، صحت بالأعداءْ:

كلي لحمي إذا نمت ياديدانْ

فبيض النمل لا يلد النسور

وبيضةُُ الأفعى...

يخبىء قشرُها ثعبانْ!

خيول الروم... أعرفها

وأعرف قبلها أني

أنا زينُ الشباب، وفارس الفرسان!

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:26 PM
إلـــى أمّـــــــي.....محمــود درويـــش


أحــن إلى خُبـــــز أمّــي


وقهــــوة أمّــــي


ولمســـــة أمّــــي...

وتكبـــر فيّ الطفـــولة


يومـــا" علــى صـــدر يـــوم


وأعشـــق عمـــري


لأنّـــي إذا مـــتّ,


أخجـــلُ من دمــــع أمّــــي!


**ـذينـــي , إذا عــــدت يــومــا"


وشـــاحـــا" لهــــدبـــك


وغطّــــي عظـــامي بعشــــب


تعمـــد (1) من طهـــر كعبـــــك


وشــــدّي وثـــاقي...


بخصلـــة شعـــر...


بخيــط يلـــوح في ذيــــل ثـــوبـــك


عســــاني أصيـــــرا إلهــــا"


إلهـــــا" أصيــــر...


إذا مــا لمســـت قـــرارة قلبــــــك!


ضعينــــي ، إذا مــا رجعـــت


وقـــودا" بتنّــــور نـــارك...(2)


وحبـــل غسيـــــل علـــى


سطـــــح دارك


لأنّــــي فقــــدت الـــوقـــوف


بـــدون صـــــلاة نهــــارك


هرمــــــت ، فــردّي نجـــوم ،


الطفــــولــة


حتّــــى أشــــارك


صغــــار العصــــافير


درب الــــرجــــوع...


لعــــش إنتظــــــارك!


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)- تعمد:تطهــر

(2)- تنّور :موقد أو فرن

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:26 PM
رسالة من محمود درويش إلى إدوارد سعيد




الى ادوارد سعيد
مـحـمـود درويـش




يا شمال القصيدة،

وهي البلاد الوحيدة بعد رحيل الاساطير،

خذها لك اسماً وجسماً... لكي تُكملك

وأطِعْ أمك الآن، وأقرأ شكسبير عن ظهر قلبٍ لها !

لا زمان لهاملت، او غيره،

بعد ليل الكتابة...

لكَ، مثلي،

جنوب على أرض هذا الكلام ولا أرض لكْ

غير ماضيك بين طريقين يقتسمان الغبار الذي كلّلك

فابتعد عن نوافذ أمّك اكثر مما ابتعدتَ

لتهتف أمك : ما أجملك نجمةً أحرقتني، كما اشتهي

أن أضيء الحديقة، ما أجملك !

يا شمال القصيدة،

وهي البلاد الوحيدة بعد رحيل الاساطير،

خذها لك اسماً وجسماً... لكي تُكملك

وأطِعْ أمك الآن، وأقرأ شكسبير عن ظهر قلبٍ لها !

لا زمان لهاملت،

او غيره،

بعد ليل الكتابة...

لا ظلّ للحب في ليله المتدفّق كالنهر،

فاصعد على سقف نفسك كي تحملك

مثلما كنتَ تحملها بين بابونج الحقل...

واهبط الى بئر نفسك كي تسألك؟

مثلما كنت تسألها في المرايا القديمة :

هل أنت... أنت؟

وهل أنت لك؟

وتطلّع امامك، خلفك، حولك

لا درب لك

غير هذا الفلك.

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:26 PM
فلسطيني .. أنا .. اسمي فلسطيني (محمود درويش)


لهم دينٌ ..

ولي ديني

إذا جَرحوا أنا المجروح

وإن ذبحوا أنا المذبوح

خبرت الموت ألواناً

فصار الموتُ يُحييني

فلسطيني:

أنا اسمي فلسطيني

لكل مخافر الشرطه

أنا المطلوب

وللسجان في شطه

أنا المطلوب

وأضرب بالعصى والطوب

وإن صلبوا أنا المصلوب

نزفت دم الشرايين

ولا أحدٌ يواسيني

فلسطيني

أنا اسمي فلسطيني

أفاعي الأمن .. تفزعني

تُروّعُنِي

وتتبعُني

إلى داري

لتنهش لحم أفكاري

لتعرف كل أخباري

تسجل إن أنا نمتُ

وإن قمتُ

وإن أفطرتُ أو صمتُ

وتجهدُ كي تُنسّيني

كروم اللوز والتينِ

ومصطبتي وطابوني

ولكني على ديني

فلسطيني

أنا اسمي فلسطيني

إذا نفقت لهم عنزه

أنا المسئول

وإن وقعت لهم هزّة

أنا المسئول

لأني من ثرى غزّه

ومن (حلحول)

أنا المسئول

وأمضي رافع الرأس

كمئذنةٍ من القدسِ

أصيح .. أقول

أنا المسئول !!

في ربي يُنجيني

ويحرسُني ويحميني

فلسطيني

أنا اسمي فلسطيني

محمود درويش

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:26 PM
محمود درويش


وعــاد فـي كـفـن

يحكونَ في بلادنا
يحكونَ في شَجَنْ
عن صاحبي الذي مضى
وعادَ في كفنْ
كانَ اسمهُ...
لا تذكروا اسمَه !
خلّوهُ في قلوبنا...
لا تدعوا الكلمه
تضيعُ في الهواءِ كالرماد..
خلّوهُ جرحاً راعفاً.. لا يعرفُ الضمادْ
طريقهُ إليهِ
أخافُ يا أحبتي.. أخافُ يا أيتامْ..
أخافُ أن ننساه في زحمةِ الأسماءْ
أخافُ أن يذوبَ في زوابعِ الشتاء !
أخافُ أن تنامَ في قلوبنا
جراحنا..
أخافُ أن تنامْ
2
العمرُ.. عمرُ برعمٍ لا يذكرُ المطرْ..
لم يبكِ تحتَ شرفةِ القمر
لم يوقفِ الساعاتِ بالسهر
وما تداعتْ عندَ حائطٍ يداه..
ولم تسافرْ خلفَ خيطِ شهوةٍ.. عيناه !
ولم يقبِّلْ حلوةً..
لم يعرفِ الغزلْ
غيرَ أغاني مطربٍ ضيّعهُ الأملْ
ولم يقلْ لحلوةٍ: الله !
إلا مرّتين !
لم تلتفت إليه.. ما أعطتهُ إلا طرفَ عين
كانَ الفتى صغيراً..
فغابَ عن طريقها
ولم يفكّر بالهوى كثيراً..!
3
يحكونَ في بلادنا
يحكونَ في شجنْ
عن صاحبي الذي مضى
وعادَ في كفنْ
ما قالَ حينَ زغردتْ خُطاهُ خلفَ الباب
لأمّه: الوداع !
ما قالَ للأحبابِ.. للأصحاب:
موعدُنا غداً !
ولم يضعْ رسالةً.. كعادةِ المسافرين
تقولُ إني عائدٌ وتسكتُ الظنون
ولم يخطَّ كلمةً..
تضيءُ ليلَ أمه التي..
تخاطبُ السماءَ والأشياء،
تقولُ: يا وسادةَ السرير !
يا حقيبةَ الثياب !
يا ليلُ ! يا نجومُ ! يا إلهُ ! يا سحاب!
أما رأيتم شارداً.. عيناهُ نجمتان؟
يداهُ سلّتانِ من ريحان
وصدرهُ وسادةُ النجومِ والقمرْ
وشعرهُ أرجوحةٌ للرّيحِ والزهرْ!
أما رأيتم شارداً
مسافراً لا يحسنُ السفر؟!
راحَ بلا زوّادةٍ.. من يطعمُ الفتى
إن جاعَ في طريقهِ
من يرحمُ الغريب؟
قلبي عليهِ في غوائلِ الدروبْ
قلبي عليكَ يا فتى.. يا ولداه!
قولوا لها، يا ليلُ! يا نجومُ!
يا دروبُ! يا سحاب!
قولوا لها: لن تحملي الجواب
فالجرحُ فوقَ الدمعِ.. فوقَ الحزنِ والعذاب
لن تحملي.. لن تصبري كثيراً
لأنه..
لأنه ماتَ، ولم يزلْ صغيراً !
4
يا أمَّهُ !
لا تقلعي الدموعَ من جذورها !
للدمعِ يا والدتي جذور،
تخاطبُ المساءَ كلَّ يومٍ
تقولُ: أينَ قافلةُ المساءِ؟
من أينَ تعبرين؟
غصّتْ دروبُ الموتِ.. حينَ سدَّها المسافرون
سُدَّت دروبُ الحزنِ.. لو وقفتِ لحظتينِ
لحظتين!
لتمسحي الجبينَ والعينين
وتحملي من دمعنا تذكار
لمن قضَوا من قبلنا.. أحبابنا المهاجرين
يا أمهُ!
لا تقلعي الدموعَ من جذورها
خلّي ببئرِ القلبِ دمعتين!
فقد يموتُ في غدٍ أبوهُ.. أو أخوهُ
أو صديقهُ أنا
خلّي لنا..
للميّتين في غدٍ لو دمعتين.. دمعتين !
5
يحكونَ في بلادنا عن صاحبي الكثيرا
حرائقُ الرصاصِ في وجناتهِ
وصدره.. ووجهه..
لا تشرحوا الأمورا !
أنا رأيتُ جرحهُ
حدَّقتُ في أبعادهِ كثيرا
"قلبي على أطفالنا"
وكلُّ أمٍّ تحضنُ السريرا !
يا أصدقاءَ الراحلِ البعيد
لا تسألوا: متى يعود؟
لا تسألوا كثيراً
بل اسألوا: متى
يستيقظُ الرجال !؟

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:29 PM
رتا والبندقيةبين ريتا وعيوني .... بندقيه
والذي يعرف ريتا ، ينحني
ويصلي

لإله في العين العسليه!
وأنا قبلت ريتا
عندما كانت صغيره
وانا أذكر كيف التصقت
بي ، وغطت ساعدي أحلى ضفيره
وانا أذكر ريتا
مثلما يذكر عصفور غديره
آه ريتا
بيننا مليون عصفور وصوره
ومواعيد كثيره
أطلقت نارا عليها ... بندقيه
إسم ريتا كان عيدا في فمي
جسم ريتا كان عرسا في دمي
وانا ضعت بريتا ... سنتين
وهي نامت فوق زندي سنتين
وتعاهدنا على أجمل كأس ، واحترقنا
في نبيذ الشفتين
وولدنا مرتين
آه.......ريتا
أي شيىء رد عن عينيك عيني
سوى إغفاءتين
وغيوم عسليه
قبل هذي البندقيه !
كان يا مكان
يا صمت العشيه
قمري هاجر في الصبح بعيدا
في العيون العسليه
والمدينه
كنست كل المغنين ، وريتا
بين ريتا وعيوني .... بندقيه

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:30 PM
شق من فلسطينعيونك شوكه في القلب
توجعني وأعبدها
وأحميها من الريح
وأغمدها وراء الليل والاوجاع .............أغمدها
فيشعل جرحها ضوء المصابيح
ويجعل حاضري غدها
أعز علي من روحي
وأنسى بعد حين في لقاء العين بالعين
بأنا مره كنا وراء الباب أثنين !
كلا مك كان أغنيه
وكنت أحاول الإنشاد
ولكن الشقاء أحاط بالشفه الربيعيه
كلامك كالسنونو طار من بيتي
فهاجر باب منزلنا وعتبتنا الخريفيه
وراءك حيث شاء الشوق
وأنكسرت مرايانا
فصار الحزن ألفين
ولملمنا شظايا الصوت
لم نتقن سوى مرثية الوطن
سنزرعها معا في صدر جيتاره
وفوق سطوح نكبتنا سنعزفها
لأقمار مشوهه .........وأحجار
ولكني نسيت نسيت يا مجهولة الصوت
رحيلك أصدأ الجيتار ............ أم صمتي ؟!
رأيتك أمس في الميناء
مسافر بلا أهل .....................بلا زاد
ركضت اليك كالأيتام
أسأل حكمة الاجداد
لماذا تسحب البياره الخضراء
الى سجن الى منفى الى ميناء
وتبقى رغم رحلتها
ورغم روائح الأملاح والأشواق
تبقى دائما خضراء ؟
وأكتب في مفكرتي
أحب البرتقال وأكره الميناء
وأردف في مفكرتي :
على الميناء
وقفت وكانت الدنيا عيون شتاء
وقشر البرتقال لنا وخلفي كانت الصحراء
رأيتك في جبال الشوك
راعيه بلا أغنام
مطارده وفي الأطلال
وكنت حديقتي وأنا غريب الدار
أدق الباب يا قلبي
على قلبي
يقرم الباب والشباك والاسمنت والاحجار
رأيتك في خوابي الماء والقمح
محطمه . رأيتك في مقاهي الليل خادمه
رأيتك في شعاع الدمع والجرح
وأنت الرئه الاخرى بجسدي
انت انت الصوت في شفتي
وأنت الماء أنت النار
رأيتك عند باب الكهف............... عند النار
معلقه على حبل الغسيل ثياب أيتامك
رأيتك في المواقد ........في الشوارع
في الزرائب في دم الشمس
رأيتك في أغاني اليتم والبؤس !
رأيتك ملء ملح البحر والرمل
وكنت جميله كالا رض....كالاطفال ..............كالفل
وأقسم :
من رموش العين سوف أخيط منديلا
وانقش فوقه شعرا لعينيك
وأسما حين أسقيه فؤاد ذاب ترتيلا
يمد عرائش الايك
سأكتب جمله أغلى من الشهداء والقبل
" فلسطينيه كانت ولم تزل "
فتحت الباب والشباك في ليل الأعاصير
على قمر تصلب في ليالينا
وقلت لليلتي : دوري !
وراء الليل والسور
فلي وعد مع الكلمات والنور
وانت حديقتي العذراء
ما دمت أغانينا
سيوفاً حين نشرعها
وأنت وفيةٌ كالقمح
ما دامت أغانينا
سمادا حين نزرعها
وأنت كنخله في البال
ما إنكسرت لعاصفه وحطاب
وما جزت ضفائرها
وحوش البيد والغاب
ولكني انا المنفي خلف السور والباب
خذيني تحت عينيك
خذيني أينما كنت
خذيني كيفما كنت
أرد إلي لون الوجه والبدن
وضوء القلب والعين
وملح الخبز واللحن
وطعم الأرض والوطن
خذيني تحت عينيك
خذيني لوحه زيتيه في كوخ حسرات
خذيني آيه من سفر مأساتي
خذيني لعبه .........حجرا من البيت
ليذكر جيلنا الآتي
مساربه الى البيت !
فلسطينية العينين والوشم
فلسطينيةالأسم الأحلام والهم
فلسطينية المنديل والقدمين والجسم
فلسطينية الكلمات الصمت والصوت
فلسطينية الصوت
فلسطينية الميلاد والموت
حملتك في دفاتري القديمه
نار أشعاري
حملتك زاد أسفاري
وباسمك ،صحت في الوديان
خيول الروم !......أعرفها
وإن تبدل الميدان
خذوا حذراً...
من البرق الذي صكته أغنيتي على الصوان
انا زين الشباب ، وفارس الفرسان
انا ومحطم الأوثان
حدود الشام أزرعها
قصائد تطلق العقبان
وباسمك صحت بالاعداء
كلي لحمي إذا ما نمت يا ديدان
فبيض النمل لا يلد النسور
وبيضة الأفعى
يخبىء قشرها ثعبان
خيول الروم أعرفها
وأعرف قبلها أني
انا زين الشباب ، وفارس الفرسان !
أرجو اضافة قصائد أخرى لمحمود درويش

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:31 PM
لبلادنا

لبلادنا
وهي القريبة من كلام الله
سقف من سحاب

لبلادنا
وهي البعيدة عن صفات الاسم
خارطة الغياب

لبلادنا
وهي الصغيرة مثل حبة سمسم
أفق سماوي....وهاوية خفية

لبلادنا
وهي الفقيرة مثل أجنحة القطا
كتب مقدسة...وجرح في الهوية

لبلادنا
وهي المطوقة الممزقة التلال
كمائن الماضي الجديد

لبلادنا, وهي السبية
حرية الموت اشتياقا واحتراقا

وبلادنا, في ليلها الدموي
جوهرة تشع على البعيد على البعيد
تضئ خارجها...
وأما نحن داخلها
فنزداد اختناقا!

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:31 PM
جائزة مؤسسة الأمير كلاوس لمحمود درويش


فاز الشاعر الفلسطيني، محمود درويش، بجائزة مؤسسة الأمير كلاوس Prince Claus Fund التي تبلغ قيمتها حوالي (100) ألف يورو أو ما يعادل (120) ألف دولار أمريكي. وسيتم تقديم الجائزة في حفل يقام في الأول من كانون الأول/يناير المقبل، في حفل خاص في القصر الملكي الهولندي. وجاء فوز درويش بهذه الجائزة بسبب أشعاره القوية المشهورة على المستوي العالمي التي تعكس حياته في المنفى والوطن وتعبيره عن تطلعات شعبه في وطن مستقل.

وقال بيان صادر عن الهيئة المانحة للجائزة إن اختيار الشاعر درويش، جاء انعكاساً للتوجه الجديد نحو النتائج الإيجابية للجوء والهجرة. وسيتم تقديم الجوائز الأخرى وعددها تسع جوائز إلى الفائزين في بلدانهم.

ودأب الأمير كلاوس، على تقديم جائزته هذه بصورة سنوية منذ عام 1997، للمتميزين في مجالات الأدب والتنمية من مفكرين وفنانين والجمعيات الثقافية خاصة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وجزر الكاريبي. وجرى تخصيص جوائز هذا العام للمبدعين في مجالات المسرح والأدب والرياضة والرقص والموروث الثقافي.

ويعتبر محمود درويش من أبرز الشعراء المعاصرين العرب الذي حاز علي شهرة عالمية.

وجرى تقديم هذه الجائزة له لأن شعره عكس تجربته الفنية كشاعر في المنفى بلغة بسيطة ولكن قوية. ولفتت أعماله النظر إلى المنفى القسري مع تصويرات جمالية رائعة رغم الظروف الصعبة.

كما فاز باحدى الجوائز الأخرى لمؤسسة الأمير كلاوس وقيمتها (25) ألف يورو، المسرحي العراقي المعروف، جواد الأسدي، الذي يعتبر من أهم رواد المسرح التجريبي في الوطن العربي. ومنح هذه الجائزة تقديراً لتسخير أعماله من أجل الحرية والتعبير الثقافي في الوطن العربي.

وقد تبلغ درويش فوزه بالجائزة أثناء مشاركته في معرض فرانكفورت للكتاب، حيث أقام أكثر من ندوة، منها أمسية شعرية حضرها حشد كبير من الألمان والعرب.

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:33 PM
حوار بين محمود درويش وناجي العلي


حوار بين الشاعر محمود درويش والفنان ناجي العلي
[الكاتب: مدلج] [التاريخ 3/3/2005]
[المحور: مساهمات] [الموضوع: أدب]

حوار بين الشاعر محمود درويش والفنان ناجي العلي

حوار بين الشاعر محمود درويش والفنان ناجي العلي درويش: شو بشوفك
مستلمنا هاليومين يا ناجي… حاط دبساتك على طحيناتنا.. شو في؟
العلي: يا عمي ما تزعل مني.. هاي الشغلة مش ضدك شخصيًا.. أنا ما في
بيني وبينك إلا كل خير ومحبة.. وانت عارف؟
درويش : لا .. أنا زعلان بجد.. ليش كل اللي رسمته وكتبته ما بخليني
أزعل؟
العلي: يا محمود إنت إلك حق تزعل.. لو أني ما تعرضت إلك وأهملتك.. مثل
ما بهمل دائمًا الساقطين.. أنا انتقدتك لأنك مهم لشعبك، وأنت لازم
تفرح.. مش تزعل؟
درويش: مش أنت اللي بصنفني مهم ولا لأ. وبعد حوار تأرجح بين الغضب
والنقد.
العلي: يا عمي انتو بتقولوا بمد الجسور مع اليسار الإسرائيلي.. مدو زي
ما بدكوا… بركي الجسور بتقيدكم مستقبلاً.. أما أنا وجماعتي فلا.. إحنا
يا عمي إلنا جسورنا..جسورنا إحنا مع الناس المشردة.. ممدودة بخط واحد
ما في غيره.. من باب المخيم لباب الحرم.. مع أهلنا في الداخل.. هاي
جسورنا وما بنعرف غيرها.. وإحنا بننتقد كل واحد بيحكي هالحكي..
درويش: آه.. بس انت مش قدي يا ناجي.
العلي: شو يعني .. مش فاهم.. الشغلة صارت شغلة قدود.. قدك وقد غيرك..
والله أنا لما برسم ما بحسب قد لحدا.. وأنت عارف يا محمود؟
درويش: هلا مش وقت المزح.. بدي ياك تفهم يا ناجي منيح اليوم.. إني أنا
محمود درويش.. إللي قادر يخرجك من لندن في أية لحظة.
العلي: أووف… والله هاي جديدة يا زلمة.. بالله عليك بتعملها يا محمود؟
وشو هالسطات اللي صارت عندك.. والله أبو رسول (الاسم الحركي لمدير
المخابرات الأردنية الأسبق محمد رسول الكيلاني) بزمانه ما قال هالحكي..
ولا صلاح نصر قبله (..) على كل حال انتو يا عمي السلطة.. انتو الدولة
والشيلة (..) هاي مش أول مرة بتصير ولا آخر مرة.. مش عملتوها قبل سنتين
في الكويت وخرجتوني؟ وقبلها قال الختيار (الاسم الذي يطلق على ياسر
عرفات من قبل أنصاره) قائدك وصديقك في ثانوية عبد الله السالم في
الكويت في الـ 75 أنو راح يحط أصابعي في الأسيد إن ما سكت.. بعدين
هالشغلة صارت مش فارقة معي هالخد صار معود عاللطم.

هذه المقتطفات من حوار تليفوني جرى بين "ناجي العلي" رسام الكاريكاتير
الفلسطيني المعروف أثناء وجوده في العاصمة البريطانية، و"محمود درويش"
الشاعر الفلسطيني الأشهر المقيم آنذاك في باريس، وقد روى العلي ملخص
الحوار مع درويش في حوار نشرته مجلة الأزمنة العربية (عدد 170 /1986/
ص14) وجاء هذا الحوار عقب رسم كاريكاتيري للعلي انتقد فيه درويش الذي
دعا إلى مد الجسور مع اليسار الإسرائيلي، وأعاد الناقد والكاتب العربي
شاكر النابلسي اقتباسه في كتابه الجديد "أكله الذئب … السيرة الفنية
للرسام ناجي العلي".

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:34 PM
محمود درويش على طاولة المفوضات مع اسرائيل؟


محمود درويش على طاولة المفاوضات مع إسرائيل!!!




وثيقة تفاوضية يقدمها الشاعر الفلسطيني محمود درويش إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فبعد خمسين عاماً على قيام دولة إسرائيل، وحصولها على الاعتراف الدولي، وتبادل السفراء مع عدد من الدول العربية، يكتب الشاعر العربي الفلسطيني بلا دبلوماسية، وبدون تفكير وحسابات سياسية، ودون اعتبار لموازين القوة القائم على الأرض، ودون انتباه لما سينعته به اليهود من لا سامية، فقط؛ يترك الشاعر روحه تشرب من عميق الوجع، بعد أن سَربَ قلبه حزُّ السكين، وتركه يفيض بما يشجيه، فينهمر الكلام على الورق بتلقائية، تبدأ بفعل الأمر للغريب الذي يسكن بيت الشاعر محمود درويش، ويقول له في جملة شعرية قصيرة، مكتنزة الدلالة، ومكدسة بالهم المبكي:

سلم على بيتنا يا غريب،

وكأن الشاعر ينزع قلبه، ويرميه على طريق الإنسانية، وهو يقول أنا الذي حرم من بيته، وطرد من وطنه، يبعث الشاعر أشواقه وحنينه لنفسه المسروقة عبر هيئة الأمم المتحدة، ويخاطب مغتصب أرضه بشكل مباشر، وهو يحك بحجر الصوان على الذاكرة المنسية، فتقدح شرر الصراحة، فلا يحق للشاعر هنا، ولا يصح أن يداري، في هذه الحالة لا مواربة بالقول مع من أغتصب بيته، لذا فالشاعر لا يوجه كلاماً دائرياً، ولا يجامل بالحديث ليخفي عكس ما يظهر، ولا يلفلف المشاعر باحتمالية المعاني، وغريب اللفظ، ولا يغرق في الرمزية، بل يسمي الأشياء بمسمياتها، وينادي على مغتصب بيته بصفته التي اكتسبها بالممارسة؛ (يا غريب) هذه التسمية التي يخجل أن يكررها من خلف الشاعر السياسيون العرب، رغم معرفتهم بها.

بعد خمسين عاماً، ينادي محمود درويش على كل يهودي يسكن فلسطين (يا غريب)، وبذلك يصف كل سكان الدولة العبرية المخيفة التي تسمى(إسرائيل) بعد أن يعيد انتسابه إلي المكان، ويعيد أنتساب التراب إليه، يصفها ب ( دولة الغرباء) أو الدولة الغريبة عن هذه المنطقة، والبعيدة عن طينه هذا التراب، ويقول عن المكان الذي أقيمت عليه الدولة التي تعترف بها الدول العربية باسم (إسرائيل) يقول عنها: (بيتنا) وبذلك يلخص كل تلك الدلالة السياسية والتاريخية عن التراب المقدس، يلخصها الشاعر محمود درويش في لفظة ( بيتنا) وهنا يفجر الدهشة الواعية عن حقيقة الساكن الذي دخل بيتنا دون استئذان؟ وحقيقة الساكن الذي طردنا من بيتنا بلا رحمة، والذي ينام على سريرنا؟ ويلبس ثوبنا، ويحرث أرضنا، ويستفع في شمسنا، ويتسكع في شوارعنا، ويتبلل في الشتاء من مطرنا، وتداعب محياهُ نسمة جنوبنا، أليس اسمه الصحيح الذي يجب أن يتم تداوله على طاولة المفاوضات هو: الغريب!!!

يوقظ الشاعر اليهودي ( الغريب) من نومه دون أن يستأذنه، يهزه بعنف كي يفيق من لحظة الدفء المصطنع، يصرخ عليه؛ هذا السرير لي يا أيها اليهودي الغريب، كيف تهنأ بالنوم على سريري، وكيف ترتوي وأنت تشرب من بئري، وكيف تطرب وأنت تغني قصائدي، وترقص على ألحاني، يُجلس الشاعر محمود درويش اليهودي على حافة السرير الذي طالما جلس عليه محمود درويش، ويخاطبه مباشرة، فما دام المفاوض الفلسطيني يخاطب المفاوض الإسرائيلي مباشرة، فلماذا لا يتجرأ وجدان الأديب ويخاطب وجدان المفاوض بما غاب عن طاولة التفاوض، يقول:

سلّمْ على بيتنا يا غريبُ،

فناجينُ

قهوَتنا ما تَزالُ على حالِها. هل تشمُّ

أصَابعَنا فوقَها؟

أعلى هذا الإطار الزجاجي الشهادة على جذور الصراع العربي الإسرائيلي؟ أيمكن اختصار مضمون الصراع بعلامات فارقة على سطح فنجان القهوة؟ فما زال الفنجان يحتفظ برائحة الأصابع بعد خمسين عاماً، وما زال الفنجان يعبق برائحة القهوة، تفوح منه فتستدعي الماضي، وما زال الفنجان يحتفظ بذاكرة من شربه، وما زال الفنجان يتربع في صدر البيت كما تركه صاحبه بعد أن اغتصب اليهودي بيته، وما زال بخار القهوة يتصاعد من الفنجان وكأنه نازل عن النار في التو واللحظة!!، أليست هذه وثيقة تفاوضية في يد المفاوض الفلسطيني على طاولة المفاوضات مع إسرائيل؟ أيعقل أن يلقي بهذه الوثيقة مفاوض، أو أن يقفز عنها؟

ولكن هل يعرف اليهودي ذلك، هل يشم أصابع صاحب البيت على فنجان القهوة، ترى، ما هو مذاق القهوة في فمه؟ هذا استفهام يؤكد من خلاله الشاعر أن اليهودي يعرف ويدعي عكس ذلك، وأن اليهودي يغلق أنفه عن شم رائحة الآخرين أصحاب المكان، وأن اليهودي يبصر ويرى ذوي الشاعر المهجرين في الدول العربية، ولكنه يعمل بكل طاقته لكي ينساهم، وينسيهم ما كانوا عليه، ويجتهد لحل قضيتهم، قضية اللاجئين التي تم تأجيل حلها إلى مراحل الحل النهائي، وسيحرص (الغريب) على تصفيتها بكل الطرق، كي لا تبقى ندبه في خاصرة الدولة التي شربت قهوة فلسطين وتحاول كسر الفنجان؟

وهنا يقفز محمود درويش عن جيل الآباء من اليهود الذين مارسوا الطرد للفلسطينيين، ويعبر إلى الجيل الثاني الذي يستمتع بما أسسه لهم الجيل الأول، وكم حاولت آلة البطش الإعلامي الإسرائيلي تصوير التهجير الفلسطيني عن بلادهم بأنه فعل ذاتي عربي؟ ولم يكن لإسرائيل مسئولية أخلاقية، أو سياسية عن ذلك، ولكن الشاعر يؤكد على ضرورة أن يتحمل الأبناء المسئولية عن فعل الآباء، وأن يعرفوا أن هذا المكان الذي يرتعون فيه، ويلعبون، ويمرحون، ويقتلون، ويقصفون، ويذبحون، ويهنئون، هذا المكان له صاحب، والعلاقة القائمة مع ذاك الصاحب للبيت هي علاقة البديل، وهو الذي صار عربياً غريباً لاجئاً، يسكن المخيم، فكيف أنسى ذلك؟ يقول محمود درويش وقد عبر بالسؤال من اليهودي الأب إلى الابن:



هل تقول لبنتك ذاتِ

الجديلة، والحاجبين الكثيفين أن لها

صاحباً غائباً

يتمنى زيارتها، لا لشيء...

ولكن ليدخل مرآتها ويرى سره.

كيف كانت تتابع من بعده عمره.

بدلاً منه، سلم عليها

إذا اتسع الوقت!!

أتى الشاعر على جملة ( لا لشيء...) وحذف التفاصيل، وذلك لئلا يظن اليهودي السوء بالشاعر، وإنما انتقل الشاعر للحديث عن الجيل الثاني، عن جيل محمود درويش نفسه، بعد أن رمى بأطراف المأساة إلى زمنين، زمن الفعل الذي تم، وزمن الفعل الذي سيتم، وهنا يكون الشاعر قد أشهر منفعلاً سيف الزمن من غمده مرتين؛ مرة طُعن الشاعر من الزمن، وما زال نصله يقطر من دماه، وأخرى مقبضه في يد الشاعر، وما زال غير قادر على استعماله، في المرة الأولى: الشاعر ينفي عن نفسه أن يكون قد عاش حياته بعيداً عن بيته، ويرى أن غيره قد عاش أيام عمره، وخبأ سره، وسرق فكره، وكشف ستره، الشاعر هنا يفتش عن نفسه في مرآة اليهودية التي تنفست هواءه، وأكلت طعامه، وشربت ماءه، ومشت على قدميه، ودق قلبها وخفق بالحب بدلاً منه، إنه يعود من الموت ليسترجع ما كان عليه أن يعيشه، لولا هؤلاء الذي أخذوا منه كل شيء في غفلة من الزمن؟ هذا الزمن الذي عاند الشاعر وخالف طبع الأشياء، وطعن شاعرنا، وأدمى صدره.

المرة الثانية: والشاعر يضيّق الوقت إلى الحد الذي لن يستطيع معه اليهودي الأب أن يُوصل سلام الشاعر إلى بنته، أو بمعنى أخر أن يقترب من حقول السلام، لقد اشترط الشاعر على اليهودي شرطاً مضمراً لكي يسلم على بنته، ويعطيها السلام من الشاعر، وهذا الشرط هو اللغز الذي في حله ستنحل مشاكل الشاعر الذي يفتش فيها عن عمره، لتبدأ مشاكل اليهودية التي غفلت عن تأثير الزمن، وتأثره بمن يمتلك ناصيته، وكأن وجدان الشاعر اللاجئ يقول للسياسي العربي الفلسطيني: إن قضية اللاجئين الفلسطينيين تؤرق اليهود، وتشهد أمام العالم على الدم الفلسطيني الذي لا يجففه الليل، وهي شهادة يرفعها الواقع الذي أقر بالقوة قيام دولة إسرائيل، ويقر بالقوة وجود اللاجئين الذي ينتظرون، مع أن طرفي الصراع يعملان على تغيير الواقع، وتوظيف الزمن أداة طيعة لذلك، فاحرص يا أيها السياسي من المساس بالتاريخ، واللعب بالزمن، والاقتراب من الشاخص الذي يؤشر إلى الطريق، والويل لمن ينسى أنه صار لاجئاً عربياً غريباً عرياناً في مخيمات اللاجئين بفعل الغريب.

إضافة لما سبق، يؤكد الشاعر أنه شخصياً، وكل اللاجئين الفلسطينيين ما زالوا بوجدانهم هناك، في قراهم ومدنهم في فلسطين، رغم أن أجسادهم تتفاعل وتتعايش مع مكان تهجيرهم الجديد، وفي ذلك إشارة رمزية إلى الهروب من الزمن الراهن، إلى زمنين؛ الزمن الذي مضى وكان فيه الفلسطيني يعيش في بيته، والزمن الذي سيأتي، الذي لن يظل مطية لليهود، رغم أنهم يركبون حصن الحاضر، وينافسون بها ما مضى من زمان، ويسابقون بها ما سيأتي من زمان، يقول الشاعر:

ههنا حاضرٌ

لا زمانَ لهُ

لم يجدْ أحدٌ، ههنا، أحداً يتذكرْ

كيفَ خرجنا من البابِ، ريحاً، وفي

أيِّ وقتٍ وقعنا عن الأمسِ فانكسرْ

الأمسُ فوقَ البلاطِ شظايا، يركِّبُها

الآخرونَ مَرايا لصُورتهمْ بَعْدنا....

Bilal ShahEEn
08-12-2008, 08:34 PM
ليس دفاعا عن محمود درويش!!


ليس دفاعا عن محمود درويش


بقلم: نضال حمد

هكذا نحن، نمجد الشهداء لأنهم خير من نطق باسم معاناتنا وأفضل من عبّر عن آلامنا وأحلامنا، وأول من مات لأجلنا ولأجل إعطاء الآخر فرصة من أجل فهمنا والاعتراف بحقوقنا وبما سلبَنا، لأجل أن يناموا نومة مريحة في عالمهم الذي لا يعرف غياهب عالمنا، ولأجل منح الجيل الجديد حياة أضمن وأكثر سلامة وأماناً في ظل الحرية والمساواة، وبعيداً عن الجنود الذين يحاربون الذاكرة الميتة في أزقة مخيماتنا وقرانا ومدننا المحتلة.

أنهم يموتون كي نحيا نحن وأطفالنا ومن سيولد فلسطينياً من بعدنا، لا كي نمجدهم، بل كي يمنحونا الحياة من بعدهم، في عالم مزقته الأفكار التوسعية والعقائد الدينية والاستعمارية القادمة من تاريخ المعسكرات السوداء والغياهب الأكثر سواداً إلى هذه البلاد التي قطعت أوصالها وشرد سكانها الأصليون على جهات العالم المختلفة.

إنهم يموتون فرادى بحريتهم وجماعات رغماً عنهم وبواسطة أباتشي تحتل سماءهم أو فانتوم تدرب طيارها، الذي يتحدث العبرية الجديدة، على فرصة صنع السلام الذي تراه إسرائيل مناسباً ويعبر عن طموحاتها في إحلاله بالرغم من عدم إمكانية قبوله من الطرف الآخر.

إنه سلام القوة المنفلتة والعقلية التي لا تعترف بالآخر ولا بمسؤوليتها عن معاناة الآخرين، إنها عقلية التوسع والاستئصال في زمن الانفلات الإرهابي والانحلال الأخلاقي.

كيف لمحمود درويش الذي يعيش بقلب حمامة بيضاء مسالمة وقلماً ربانيِ البياض ولسان فراشة تنطق ربيعاً أخضر أن لا يمجد الذين يُطلِعون على أضرحتهم عشب بلادنا الخضراء، الذين قال لهم <<تصبحون على وطن من تراب وشجن>>، والذين لهم المجد عرش على كل الدروب التي أوصلتنا إلى كل بيتٍ إلا بيتنا. هؤلاء هم روح محمود درويش الفلسطيني المتجدد، الوفي لحبال الغسيل الجليلية التي حولتها يد الصهيونية الى حبال مشانق بين عشية وضحاها.

يا ست ملاميد، يا سليلة اليسار المعزول بالتقسيط، ألم تجعلوا من جنودكم الذين اغتالوا الحمام والبشر واليمام والشجر والأمان والسلام والأحلام في حياة الفلسطيني، شهداء ومجدتموهم، كأنهم أغلى الكائنات، مع أن لهم ولنا معهم في فلسطين ولبنان ذكريات، نتذكرهم من جنوب لبنان وما فعلت أياديهم هناك، ونتذكرهم من أوصالنا المقطعة في صبرا وشاتيلا وتل الزعتر وجنين ونابلس وجباليا وغزة وحتى في تونس الخضراء..

نتذكرهم في الرصاصات التي اغتالت شاعر البراءة والذكريات كمال ناصر، وفي أشلاء غسان كنفاني وابنة أخته الطفلة لميس، ونتذكرهم في المقابر الجماعية والآبار التي أصبحت قبورًا لسكان البلدات الفلسطينية التي دمرت أو نهبت أو أحرقت في حرب قيامتكم واندحارنا عن أرضنا نحو باب الله الواسع..

نتذكركم ونحاول أن نجد طريقة ما كي نعيدكم لإنسانيتكم، لكنكم تطردوننا حتى من الفكرة، وتلاحقوننا أينما ذهبنا بحثاً عن السلام معكم، كنا نريدكم طرفاً مسئولاً في سلام الحقائق التي لا تتبدل، لكنكم لا تريدوننا سوى قلم أو يراع يمنحكم حق الاستيلاء على حمامنا ويمامنا وبياضنا وأرضنا وذاكرتنا وتاريخنا وكلامنا..

يا ست ملاميد، يا وريثة الصهيونية بيسارها الذي لا يعترف بحقوقنا كما خلقها الله أو كما خلقتها الطبيعة، ماذا تريدين من محمود درويش؟

قولي لنا يا رفيقة بيريس وسريد وبن أليعازر وبيلين واليسار الإسرائيلي العاجز عن بناء البشر في كيانكم بناءاً سلمياً يعترف بالآخر، هل تريدوننا أن نشارككم اللعنات على ضحايانا وشهدائنا أم نبارك لكم انتصار الميركفاه والأباتشي على عملية السلام التي أعطتكم ما لم تحلموا به أو تنالوه في أحلامكم، ورغم هذا فأنكم ترسلون أبناءكم ليمارسوا هواياتهم المفضلة على حواجز الذل والعذاب والقهر التي تعيد التاريخ إلى الوراء وترجع بالناس إلى غيتو وارسو وأوروبا التي ظلمتكم واحتقرتكم وحاول الطغاة فيها أبادتكم.

تقول الست ملاميد في قراءتها لـ <<حالة حصار>> محمود درويش التي هي حالة حصار كل الفلسطينيين، أنها وحتى وهي في قيسارية ورغم اعترافها بفظائع الاحتلال... إلا أن هناك مقطعاً لا تقوى على قراءته، لأنه خالٍ من الحقيقة ومن الاستقامة، هذا المقطع الذي صعب عليها استيعابه وفهمه بغير ما فهمته هو التالي:

("الشهيد يوضح لي: لم افتش وراء المدى

عن عذارى الخلود، فاني احب الحياة

على الارض، بين الصنوبر والتين،

لكنني ما استطعت اليها سبيلاً، ففتشت

عنها بآخر ما أملك: الدم في جسد اللازورد".

<<بالنسبة لي، كإسرائيلية تقرأ العبرية، فإن "جسد اللازورد" هو كذبة. الجسد الصحيح هو جسد الباص المهروس. الدم ليس دم الشهيد وحده، بل ودم ضحاياه. الشهيد هو قاتل. نقطة>>)

ثم تضيف الكاتبة التالي :

(<<لا يمكن في هذه الأيام أن تكون إسرائيليًا وأن تبدي في نفس الوقت تعاطفًا متنورًا مع الشهيد. لا يمكن قراءة قصيدة كهذه، تتحدث من فم قاتل محتمل لا يطلب منّا إلا التعاطف والشفقة، لا يطلب إلا أن نفهم إلى أية درجة من السوء وصلت حياته، لدرجة أنه عافها؛ لا يمكن ذلك لأن هذا كذب. الشهيد لم يعُفْ حياته، بل عافَ حياتنا.. هو قاتل، والشعراء الذين يبدون التفهم العميق تجاه القتلة لن يسكنوا في رف كتبي. لا أملك ما يكفي من التنوّر لكي أقرأهم. ليس الآن، وليس فيما بعد، حين تأتي الأيام التي يحلم بها درويش>>.)

ملاميد، وهي يسارية إسرائيلية وضد الاحتلال، ترفض إشادة محمود درويش بالشهداء الفلسطينيين وطريقة شرحه وتبريره للأسباب التي جعلتهم يموتون، هم ماتوا فيها من أجل وقف الهمجية التي يمارسها جيش إسرائيل الاحتلالي بيساره ويمينه، غير بعيد عن قيسارية التي بنيت على أراضٍ عربية، قد يكون لازال تحت زرعها وترابها الكثير من المقابر والقبور الفلسطينية.

تقول ملاميد أيضا أنها لا ترى في الشهيد الذي يتحدث عنه محمود درويش سوى قاتل وسفاح يفجر الباص ويهرسه ويدمره على نفسه وعلى الآخرين وتؤكد على أن الشهيد قاتل وترفض فكرة الخوض في مشروعية عمله أو الأسباب التي تدفعه لكي يقتل نفسه ويأخذ معه إلى العالم الآخر أكبر عدد ممكن من الإسرائيليين، هي بصراحة غير مستعدة حتى لمناقشة الفكرة أو الدخول في عالم الفلسطيني المحروم من الحياة، إذ أن الاحتلال حدد موت الفلسطيني بالطرق التي يراها مناسبة، لكن الفلسطيني الذي شبع ذلاً وعذاباً وإهانة ومعاملة غير إنسانية تفنن جند جيش الدفاع الإسرائيلي في ابتكار الجديد منها، هذا الفلسطيني له كامل الحق في التعبير عن رأيه بحياته وطريقة وضع حد لها ما دمتم أنتم الذين انتخبتم قياداتكم التي تقود سياسة البلاد وتوجه جيشكم قد ابتليتموه بمصيبة أسمها الاحتلال ومصائب أخرى أسمها الاعتقال والتصفية والعزل والاغتيال.

هذا الكائن الذي ولدته أمه حراً في بلد محتل، من حقه أن يقتل قاتله مادامت لغة العقل والسلام توقفت بفعل استبداد لغة الموت والدمار والقتل والاجتياح والتدمير والتهجير والإبادة بكل إشكالها، فقنابل جيش الاحتلال لا تفرق بين العسكري والمدني وبين الذكور والإناث وبين الصغار والكبار وبين حقائب الأطفال المدرسية وألعابهم اليومية وبين الأشياء الحربية. من حق الفلسطيني أن يدافع عن نفسه وأن يموت ويقتل معه أعداءه لأنه بهذا يبحث عن الخلاص من دنيا الاحتلال وعن الموت كخيار أفضل من البقاء تحت رحمة حراب الجهنميين من جنود لا رحمة في قلوبهم ولا إنسانية في تربيتهم ولا ضمائر تردعهم عند الحاجة.

ثم يا ست ملاميد من حقك أن لا تضعي حالتنا التي ضمها كتاب درويش على رفوف مكتبك أو مكتبتك في بيتك، لكن ليس من حقك أن تحددي لنا طريقة تخليدنا لشهدائنا، فالذي عاف حياته وحياتكم كما تقولين، هو ليس أكثر من شخص يمثل حالة ملايين عافوا من الحياة مع جيشكم المحتل ومع مجتمعكم الذي كلما اعتقدنا أنه تعلم واستفاد من التجارب ونضج باتجاه السلام والاعتراف بالمسؤولية عما حل بشعب فلسطين، نتفا جأ أن هذا المجتمع لا يزال مجتمعًا مغلقًا ومعقدًا ومنزوياً ومنعزلاً في حياته وتفكيره وطرق قتله للآخرين وأبادته للحياة في فلسطين. هذا المجتمع وعلى الرغم من العقلية السوداوية المتطرفة التي تحكمه وتتحكم بناسه وخياراتهم، إلا أنني شخصياً أحتفظ بالكتب والإصدارات التي تمجد القتلة من شاكلة اسحق شامير وكاهانا وغولديشتاين. نحتفظ بالكتب هذه حتى تبقى وصمة عار تلاحق أصحابها مدى العمر ولكي لا ننسى أن لنا حقاً يجب استعادته بكل الطرق الممكنة، ونحن نفضل أن ننتزع حقنا عبر السلام والحوار وبدون دماء، لكنكم تقتلون وتغتالون حتى إرادة السلام لدى شعبنا المحب للسلام والذي تسامح معكم حتى أقصى الحدود الممكنة، وأنتم تعرفون ذلك تمام المعرفة.

أخيراً أقول لك يا ست ملاميد أنني تعاملت مع نصك المذكور بعقلانية وبدون تطرف ومن وجهة نظر ضحية من ضحاياكم أوصلتها أقامتكم في قيسارية غير بعيد عن بلدته المجتثة في الجليل، إلى آخر الدنيا، كذلك من وجهة نظر من عاش مجازر صبرا وشاتيلا وحصار بيروت ومآسي المخيمات والتشرد منذ الطفولة المعذبة وحتى الحياة الحالية الأكثر مرارة، لم أدخل من الشباك بل ولجت من الباب ولن أعود إلى بلادي إلا حراً وفلسطينياً يحمل الشهداء في قلبه ويحفظ أسماءهم واحداً واحداً، وسأعلق صورهم على جدران منزلي في بلدتي